الطفل العراقي.. مهده لحد!

 

 

 الدكتورة:رحاب الصواف .

Email: rsawaf@hotmail.com
 

في يوم من الأيام.. كانت ببغداد أول مدرسة للطب في الدولة الإسلامية.. منارة تضيء الظلمات للبشرية.. فجأة تحول النور ظلمة.. والظلمة أشباحا.. تحيل مهود الأطفال إلى لحود.. فعندما تدخل بغداد الآن قد ترى أنه يبدو على بنايات مستشفياتها بعض الحداثة، وذلك لأن العراق كانت تخطو خطوات واسعة -قبل العقوبات الدولية التي فُرضت عليها- في مجال الطب والصحة جعل البعض يصفها بأنها تتقدم إلى مستوى البلاد المتقدمة.. فقد كانت تنفق 550 مليون دولار على الرعاية الصحية في عام 1990، حسب تقارير وزارة الصحة العراقية (انخفضت إلى 26 مليون دولار بعد العقوبات) حتى سقط على رأسها 88500 طن من المتفجرات (أي 7.5 مرة قدر متفجرات هيروشيما) أحالت بغداد إلى أشباح، وقتلت وجرحت الآلاف المؤلفة، وقطعت وسائل الاتصالات، وضربت محطات الكهرباء في أول 24 ساعة، وحطمت نظم المياه الصحية.. ولم تكن البنية الطبية بمنأى عن ذلك.. بل إن القصف والعقوبات معاً حطما البنية الطبية لمستشفيات بغداد.

 

مستشفيات بغداد.. بقايا صور

 

فالحداثة لا تبدو عليها من الداخل، كل شيء أشبه بحطام، المباني مصدعة، لا تصل إلى هذه المستشفيات إلا المياه الملوثة، لا تشم للأدوات المتهالكة رائحة التعقيم، ولا يوجد أَسِرة حديدية جيدة.. على كل مريض أن يحضر ومعه سريره الخاص به إن أمكن أو يشارك الآخرين في مرتبة واحدة.. المصاعد والمكيفات معطلة، الأسقف والشبابيك تتدلى منها القاذورات، معظم المواد الطبية ثنائية الغرض ممنوعة بمقضتى العقوبات، فأجهزة القلب والرئة والأشعة، وحضانات الأطفال الخدج، وعربات الإسعاف، حتى لا تستخدم كعربات عسكرية، كل هذا ممنوع استيراده.. أما الأدوية مثل المضادات الحيوية والمسكنات وأدوية التخدير والعلاج الكيميائي وكثير من التطعيمات بل ومواد معامل التحاليل (التي قلت كفاءتها بنسبة 68.6% كما ذكر رمزي كلارك من "المركز الدولي للتأثير" في تقريره لسكرتير الأمم المتحدة في نوفمبر 99*) محظورة بأمر من مجلس الأمن حتى لا تتحول إلى أسلحة بيولوجية أو كيميائية، حتى الأدوية العادية المنقذة للحياة، من محاليل الجفاف إلى الأنسولين عادة غير متواجدة.. السرنجات والقفازات تغسل ويعاد استخدامها.

باختصار، فإن هناك نقصا في كل ما تتخيله من مواد طبية أو غير طبية.. ولا شك أن قطْع الكهرباء المتواصل، وندرة المولدات أثرت بشكل كبير على الرعاية الصحية في البلاد خاصة العمليات الجراحية التي انخفض عددها بنسبة 70% * تبعاً لنفس المصدر السابق، وهذه العمليات التي تجرى يُضطر الأطباء في بعض الأحيان إلى إجرائها بدون بنج، فكثيراً ما تسمع أروقة هذه المستشفيات صرخات الألم الموجعة.

أما الأطباء والممرضات فحدث عنهم ولا حرج.. فقبل عام 1990، كانت المستشفيات تضج بالمنظفات والممرضات من الفليبين وبنجلاديش، ولكن مع العقوبات رجع كلٌّ إلى بلاده. لا تكاد ترى ممرضة في هذه الأماكن، الممرضة الآن هي أم الطفل المريض نفسه أو جدته.. تحضر ومعها الطعام والمياه المغلية ويشرفون على تشغيل الماكينات وأعمال التمريض الخفيفة.

الأطباء الذين تَلقى الكثير منهم دراسته في أمريكا وبريطانيا.. رواتبهم لا تتعدى 2-4 دولار شهريًّا! ويشتركون في نُسخ متهالكة من الكتب الطبية القديمة.. فلا يوجد بحث علمي.. ولا إنترنت.. بل إن بعضهم يُضطر للعمل كسائق تاكسي مساء لتلبية الاحتياجات الأسرية، كما ذكر ريتشارد ماكدويل الصحفي في جريدة "جزيرة الأرض" عام 1998.

 

تقارير وإحصائيات.. مرعبة

 

التقارير الصحية توضح مدى التدهور الصحي الذي وصل إليه الشعب في العراق.. فقد ذكرت وزارة الصحة العراقية (بتاريخ 2/8/2000) أن هناك ما يقرب من 1.261.917 طفل ماتوا ما بين 1990 إلى 1999. ويعد السبب الرئيسي في الوفاة تحت سن الخامسة هو الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والإسهال والقرحات والتهاب الأمعاء وسوء التغذية.

أما الأطفال فوق الخامسة فالسبب الرئيسي للوفيات هو أمراض القلب وضغط الدم والسكري وأمراض الجهاز البولي والكبد والأورام.. ويصل تعداد الوفيات بين الأطفال من 5 إلى 6 آلاف طفل في الشهر الواحد!

حالات اللوكيميا زادت بنسبة 35% في المناطق الجنوبية، وارتفعت حالات السرطان عشر مرات عن عام 89، وقد يصاب 44% من المجتمع بالسرطان بعد 10 سنوات إذا ظلت الأحوال على ما هي عليه كما ذكر موقع "الأجندة الخفية على الإنترنت لـ جون بيجلار"، وتشير أصابع الاتهام في هذا إلى اليورانيوم المشع الذي سقط على رأس العراقيين في واحدة من كبريات الجرائم الأمريكية في القرن الماضي.

أمراض سوء التغذية المزمنة تصيب واحدًا من كل أربعة أطفال في العراق تحت سن الخامسة، بل إن 90% من المواليد منذ عام 90 أقل من الوزن المطلوب.. وتبلغ نسبة وفيات المواليد في العراق بذلك أعلى نسبة وفيات مواليد في العالم.. ويرجع السبب أيضاً إلى الأم الحامل التي تعاني هي الأخرىمن سوء التغذية وفقر الدم الحاد.

 

حالات سوء التغذية (فقدان الفيتامينات والبروتينات)

 

حالة

96.859

1990

(بزيادة 9.8 مرات)

947.974

1991

(بزيادة 16.4 مرة)

1576.194

1994

(بزياده 19.7 مرة)

1910.308

1998

 

كما أن هناك أمراضا عديدة أخرى زادت بشكل كبير، أو ظهرت لأول مرة في العراق، مثل السعال الديكي والحصبة والكوليرا وشلل الأطفال والجرب وغيرها كالآتي:

 

السعال الديكي

زاد 3.4 مرات

الحصبة

زاد 4.5 مرات (25.818 حالة )

الغدة النكفية

زادت 3,7 مرات (35,881 حالة

الأميبا

زادت 5,13 مرات في عام 1989

التيفويد

ارتفع 10,9 مرات (19,825 حالة)

شلل الأطفال الآن 18 حالة بعدما سجلت حالتان عام 89

الكوليرا من لا شيء عام 89 إلى 2560 في 98

الجرب من لا شيء إلى 43,580 حالة في 1998

(الجدولان عن رمزي كلارك من "المركز الدولي للتأثير" في تقريره لسكرتير الأمم المتحدة، نوفمبر 99).

 

وقد زاد الوضع الصحي تعقيدا تلوث المياه المتفشي في بغداد، حيث ذكرت كل من منظمة الصحة العالمية WHO، ووزارة الصحة العراقية أن هناك 250 إلى 300 طن من المواد الصلبة غير المعالجة تصرف في الأنهار يوميًّا.. بل وتحول لون نهر البصرة "فينسيا الشرق" إلى الأخضر بسبب المخلفات، كما كانت وما زالت مشكلة الألغام الأرضية والقنابل التي لم تنفجر سبباً في فقد كثير من الأطفال أطرافهم، والحكم عليهم بالعيش بعاهات مستديمة طوال العمر.

 

برنامج النفط مقابل الغذاء.. عقبة أم نجاة؟

 

برنامج النفط مقابل الغذاء الذي من المفترض أن يخفف من معاناة هذا الشعب.. أصبح في حد ذاته عقبة كما يذكر "بول إيدال" مراسل وكالة رويتر المقيم في بغداد.. فقد تمت الموافقة على هذا البرنامج في إبريل 1990، وسمح للعراق بمقتضاه بتصدير ما يقرب قيمته من 2 بليون دولار من النفط.. مقابل حصص ثابتة من الغذاء، إلا أنه بعد خصم نفقات استخراج البترول وترميمات ما بعد الحرب ونفقات بعثات الأمم المتحدة هناك لا يتبقى سوى 250 مليون للطعام والأدوية لـ20 مليون إنسان.

وذلك رغم ما تدعيه الأمم المتحدة في تقريرها الصادر في أكتوبر 2001 من أن العراق ينفق 1.3 بليون على الطب والطعام، وأنه في حاجة إلى 2.1 بليون على الأقل حتى لا تزداد الأمور سوءا! (في تقدير الأمم المتحدة).

هذه أقسى عقوبات شهدها التاريخ سقط فيها أطفال أكثر من الذين سقطوا بقنبلة هيروشيما، كما يقرر كثير من المراقبين والصحفيين.. وسيظل هناك آخرون في انتظار الموت إذا ما قرر العالم أن يعاقب شعب العراق بما يفعله صدام.

وحينما تسمع "سكوت راتير" أحد مفتشي الأسلحة بالعراق سابقاً يقول: "بنظرة كَمية، فإن أسلحة الدمارالشامل لا يمكن أن تكون موجودة بالعراق".. تتساءل: هل يمكن أن تتحمل هذه الأوضاع المأساوية في العراق ضربة جديدة أمريكية بريطانية؟!