ماذا بعد الفيوكسيب ..؟
 

إن الدواء يا سيدي العزيز هو أحد أهم ركائز الرعاية الطبية ، إضافة إلى التقنيات التشخيصية و الجراحة ، و طبعاً الطبيب .. الذي سيصف هذا الدواء ، و لا ننسى طبعاً الشركات الدوائية التي تصنع هذا الدواء و تطرحه و تجعله متاحاً للمريض . من ناحية ثانية فإن المريض بحد ذاته هو أحد أهم ركائز الرعاية الطبية ، فلولا المريض .. لما كان هناك الطبيب ، و لا الدواء .. و لا الشركات الدوائية ، فهو الشخص الذي ينفق بشكل مباشر أو غير مباشر على كل هؤلاء . 

لقد طالعت مرة تقريراً عن واقع الصناعات الدوائية في العالم ، و تبين أن الدولة التي تحتل المرتبة الأولى في العالم ، بحسب هذا التقرير ، هي ألمانيا (طبعاً بفضل شركة باير المعروفة و التي صنعت الأسبرين أحد أهم مفردات القرن المنصرم) ، و كانت المرتبة الثانية من نصيب السويد ، و احتلت الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الثامنة .

أحب أن أشير إلى أن عملية التصنيع الدوائي عملية معقدة جداً ، و مكلفة جداً ، بل و الأكثر من ذلك فإنها من الممكن أن تحتوي على عمليات و مراحل خاسرة جداً بحسب المعنى الاقتصادي للكلمة . فمتوسط ما يحتاجه نوع دوائي جديد عادي حتى يطرح إلى السوق ما مقداره خمسون إلى مائة مليون دولار أمريكي ، إضافة إلى ست إلى عشر سنوات من الأبحاث و الدراسات و التجارب على الحيوانات و البشر و في الزجاج ، و خلال هذه الفترة و بعد أن يتم طرح الدواء في السوق أيضاً يخضع الدواء لنظام مراقبة طويل الأمد من قبل وكالة الأدوية و الأغذية الأمريكية أو ما يعادلها في الدول المصنعة الأخرى ، و بالرغم من طرح الدواء في السوق فمن الممكن أن يسحب فيما بعد إذا تبين أثر جانبي له أو ضرر أو خطر لم يكشف خلال مراحل التصنيع و الإنتاج المختلفة ، و مثال ذلك ما حصل مع دواء الفيوكسيب (الروفيكوكسيب Roficoxib ) مؤخراً ، و الذي سحب من الأسواق بعد مضي أكثر من 5 سنوات على تسويقه في بعض الدول . إن الفيوكسيب هو أحد الأدوية الهامة في معالجة آلام و التهابات المفاصل و لا سيما المرافقة للحمى الرثوية و الحمى الرثيانية ، و يتميز بتأثير علاجي ممتاز و تأثيرات جانبية على المعدة أقل من نظرائه الأقدم في الأسواق مثل الإيبوبروفين و الفولتارين و غيرهما . 

بدا الأمر عندما تم التوصل إلى هذا الدواء أن مشاكل التهابات المفاصل قد بدأت بالتواري ، و قد ارتاح معظم المرضى المعالجين على هذه الطائفة الجديدة من الأدوية كما لم يرتاحوا من قبل على الأنواع السابقة ، و بدا أن الروفيكوكسيب يسحب البساط من تحت المعالجات التقليدية مثل الإندوميتاسين و الفولتارين و البروفين و الأسبرين و البانادول و غيرها ، خاصة مع مجموعته التي ضمت أيضاً السيليكوكسيب و الذي يسوق تحت اسم سيليكس و سيوكس و غيرها .

بيد أن الدراسات الحديثة أثبتت تورط هذا الدواء (الروفيكوكسيبب) بخطر تعرض المريض لأزمات قلبية قد تكون حرجة ، و ذلك لدى أكثر من 160 ألف مريض في الولايات المتحدة الأمريكية و نتيجة لدراسات سريرية متكاملة استمرت لمدة 3 سنوات ، و تبين أن الخطر و إن لم يكن كبيراً قياساً بالأفراد الذين لم يتناولوا الروفيكوكسيب .. إلا أن الخطر يتزايد بالجرعة و بالمدة التي قد يتناول أثناءها المريض هذا الدواء ،  الأمر الذي اضطر وكالة الأغذية و الأدوية الأمريكية إلى سحب الدواء من السوق !

و بالفعل تم ذلك ، و خلت رفوف الصيدليات من ضيف لم يقم طويلاً ، و شعر مرضى التهابات المفاصل بالوحدة بعد أن غادرهم من كان دائماً في حقائبهم رفيقاً ، و على جيوبهم خفيفاً . 

ثم سرت صدمة سحب الدواء في كافة أنحاء العالم ، و بدأت الأسواق العالمية تتخلص منه في نقاط البيع و تتخلص منه في المستودعات و المخازن ، بل و تخلصوا حتى من مواده الخام الأولية ، و على الرغم من أن هذه الصدمة انتشرت إلا أنها لم تصل بعد إلى العديد من الدول العربية حيث لا يزال الدواء يسوق و يباع جهاراً نهاراً . و تحضرني الآن سالفة مشابهة ، و ذلك عندما تم سحب مجموعة الأدوية المضادة للرشح من الأسواق بناء على دراسة أثبتت "احتمال" أن يكون هناك علاقة بين هذه المجموعة من الأدوية بجرعات عالية و لفترات طويلة لدى النساء فوق سن الخمسين .. و بين ارتفاع نسبة النزوف الدماغية ! فتساءلنا يومها عن السبب الذي يدعو دولاً و أقاليم أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية إلى سحب هذا الدواء ، و ذلك أن هذه الدراسة أجريت في الولايات المتحدة ، و هي لا تشمل طائفة كبيرة كمن المرضى ، بل إنها مقصورة على الاستعمال الطويل الأمد و بالجرعات العالية و لدى النساء فوق سن الخمسين و باحتمال فقط .. أي أن الموضوع لم يتأكد بعد ! ثم إن هذه الدراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية ، أي أن عوامل أخرى مثل العرق و الطقس و التغذية و نمط الحياة يمكن أن يتدخل في نتيجة الدراسة .. الأمر الذي يفضل معه أن يتم إجراء دراسة خاصة مماثلة تتضمن شروط و ظروف كل بلد أوإقليم على حدة . و بدلاً من أن يتم ذلك ؛ سارعت وزارات الصحة في كافة الدول إلى سحب هذه الأدوية ، و قد سحب أكثر من 21 صنف دوائي تجاري يدخل في تركيبه أحد مكونات المجموعة المتهمة . أما في حالة الفيوكسيب .. فلا تزال بعض الدول تتعامل مع الدواء على الرغم من خطورته الأكبر قياساً بالدراسة السابقة التي أجريت على أدوية الرشح ، فلماذا هذا التناقض ؟

تتضارب الأنباء الآن حول ما إذا كانت الأدوية المثيلة للروفيكوكسيب و من عائلته مثل السيليكوكسيب يمكن أن تعرض المريض للخطر نفسه ، و هناك من ينصح مرضاه بترك هذا الدواء و التحول إلى السيليكوكسيب ، و هناك من ينصحه بترك المجموعة كاملة و العودة إلى الدواء القديم ، و الذي اكتسب مزيداً من الثقة بعد أن بقي يستعمل 40 عاماً دون أن يحمل مثل هذه الخطورة .

إن هذه المشكلة تدعو المصنعين الدوائيين إجمالاً ، و أخص منهم المصنعين العرب ، إلى أن يتدبروا أمورهم جيداً فيما يخص المكاتب و الفروع العلمية التابعة لمصانعهم من أجل أن يغذوا السري قدماً نحو التصنيع الحقيقي للدواء .. لا إلى حيث يتم الحصول على المادة الخام الرخيصة جاهزة ، و من ثم يصنعونها ، دون أن يكون لهم دور في ابتكارها أو اكتشافها ، الأمر الذي يجعلهم تحت رحمة وكالة الأدوية و الأغذية الأمريكية ، و التي قد تقوم بسحب الدواء لمآرب أخرى ! كما أنها قد لا تقوم بسحب دواء ما تحت وطأة بعض الضغوط ، و إلا فما الذي لا يزال يفعله دواء مثل الفياغرا في الأسواق على الرغم من أنه تسبب لدى بداية طرحه بمشاكل خطيرة على صحة المريض ، الأمر الذي دفع السلطات المختصة إلى أن تسمح بصرف الدواء و لكن بعد أن يوصف من قبل الطبيب الذي يقرر فيما إذا كان هذا المريض قادراً على تحمل الدواء .. فما الذي منع من اتخاذ مثل هذا التدبير بالنسبة للأدوية الأخرى ؟

أعتقد شخصياً أن الفيوكسيب قد ولى من الأسواق إلى غير رجعة ، و أنصح المرضى الذين يستعملون هذا الدواء أن يتحولوا عن كامل مجموعة الكوكس 2 ، و التي تتضمن أيضاً السيليكوكسيب ، لأننا لا نعلم ماذا قد تنبئنا به وكالة الأدوية و الأغذية الأمريكية  مستقبلاً !