لكل عصر طاعون

(الإيدز)

بقلم د.عبدالمطلب بن أحمد السح

استشاري طب الأطفال و حديثي الولادة في مستشفى الحمادي

عضو الجمعية الوراثية الأمريكية و الجمعية الأوروبية للوراثة البشرية

عضو الجمعية العالمية لأبحاث الضعف البصري

العنوان: الرياض 11323  ، ص.ب 285264

هاتف 4643312

Email: dr_alsah@yahoo.com

 

قالوا عنه إنه طاعون العصر ، و نعته بعضهم بقاتل العائلات ، واسماه بعضهم حاصد الأرواح ، ويطيب لي أن أصفه بإعاقة  القرنين نهاية القرن العشرين و بداية القرن الحادي و العشرين، فهو بالحقيقة طاعون عصرنا ، ويستحق من الألقاب ما هو أكثر من هذا ، إنه "الإيدز " ، أو مرض نقص المناعة المكتسب ، ذلك الداء العضال الذي ينجم عن فيروس يدعى بفيروس نقص المناعة  البشرية ،وهذا الفيروس يعتبر من المخلوقات الضعيفة ، حيث إن المنظفات البسيطة تقضي عليه ، ولذلك فإن انتقاله يحتاج لتماس صميمي وشديد كما يحصل عبر التماس الدموي أو الإتصال الجنسي ، ويؤدي عند استيطانه الجسم لمرض منهك للمناعة ، حيث لا يحلو له إلا نوع من كريات الدم اللمفاوية التي خلقها الله تعالى لحماية جسمنا ، و من هنا اكتسب المرض اسمه المعروف.

    هذا الداء يعتبر من المشاكل الصحية الكبرى في عصرنا الحاضر ، وربما سيبقى كذلك لفترة نرجو الله ألا تطول ، لقد كانت بداية القصة معه عام (1981) حيث عرفته البشرية لأول مرة كضيف غير مرحب به ، و سجلت إصابة أول طفل عام ( 1983) وبدأ ينتشر كالنار في الهشيم و الآن هو يرتع في كل أنحاء العالم ، ولكن بنسب مختلفة ، لقد أصبحت حالاته تعد بالملايين، و ربما عشراتها ، بينما الذين يحملون الفيروس يعدون بأضعاف ذلك من دون أن تظهر عليهم علائم المرض ، و للأسف فإنه في بعض بقاع القارة الأفريقية قد أصبح ربع النساء الحوامل وعشر أطفال المشـافي هناك يحملون فيروس الإيــدز كما في منطقة البحيرات الكبرى هناك ، في الولايات المتحدة هناك عشرات الألوف من الأطفال المصابين ، و الذين يموتون ، أو في طريقهم للموت ، ويشكلون حوالي ( 1,5%) من حالات الإيدز هناك ، و الحالات عند الولدان الجدد تزداد بشكل خطير هذه الأيام ،حيث يولد في كل سنة (7000)وليد لأمهات مخموجات بالمرض ، و من هؤلاء سيصاب ( 2000) طفل ، و الطامة الكبرى أن معظم أولئك الأمهات لا يعلمن أنهن مصابات ، في الحقيقة إن (75%) من الأطفال المصابين قد انتقل إليهم المرض من أمهاتهم ، لأن الأم الحاملة للفيروس تؤدي لاحتمال إصابة ابنها بنسبة تتراوح من (20-30%)، و تتضاعف نسبة إصابة الحمل الثاني ، و عندما نتكلم عن المصابات لا ننسى أن نذكر أن لديهن غالبا مشاكل أخرى مثل نقص العناية الصحية ، و الثقافة المحدودة ، و فقر الدم ، وتعاطي الكحول و السجائر و المخدرات ،و انتشار الأمراض المنتقلة بطريق الجنس كالزهري (السفلس) و السيلان البني ، و كذلك التهاب الكبد ، وكلها مشاكل تفاقم من معاناة الوليد .

     إن( 80% )من المصابات قي الولايات المتحدة هن في سن الإنجاب ( 13-39سنة)، و لقد أصبح الإيدز السبب الرئيسي المؤدي للموت عند الأطفال بعمر ( 2-5) سنوات في مدن عديدة من ولايات الشرق الأمريكي ، كما أضحى خامس سبب مؤد للوفيات عند الأطفال بعمر دون الـ(15) سنة.

ينتقل الإيدز عبر سوائل البدن كالدم ، سواء مباشرة ، أو عبر نقل الدم أو أحد مشتقاته أو بواسطة المني وحليب الأم ، و هناك خطر قليل لانتقاله بالدموع أو بالعض ،كما قد يوجد الفيروس في البول،

و قد ينتقل بإعطاء أدوية أو مخدرات بحقن ملوثة داخل الوريد.

    الفيروس بليد وخطير ، فلا يغرنك مكوثه في البدن بعد دخوله لفترة طويلة قد تصل لأشهر أو سنين قبل ظهور دلائل المرض، و فترة الصمت هذه قد تكون أقصر عموما عند الأطفال منها عند الكبار ، وبعد صمته المريب يبدأ الفيروس رحلة الأرض المحروقة ، فيؤدي لتحطيم الجهاز المناعي ، كما أنه لا يسلم منه عضو أو جهاز ، انه يستسيغ من خلايا الإنسان صبغياتها ( كروموزوماتها) فيستوطن هناك ؛ و الصبغيات هي جوهر الخلايا ،و هناك بالتالي مجموعة واسعة من المظاهر الناجمة عن الداء فالوزن ينقص ، و النمو يتضاءل ، و الرئة تلتهب ، و الكبد يتضخم ، و يحدث إسهال مزمن و حمى لا تفسر بسبب آخر ، كما تحيق بالبدن التهابات و إنتانات و أخماج جرثومية خطيرة و متكررة مثل تجرثم الدم و إنتانه و الحمى الشوكية ( التهاب السحايا ) و التهاب العظام و المفاصل و الخراجات ، و تتراجع ملكات ووظائف الجملة العصبية ، و يحدث اعتلال في الدماغ يؤدي للعمى و اضطرابات في الحركة و تشنجات و اختلاجات  و صغر بالرأس و صعوبات في اللغة و الكلام و نقص بالإدراك و تأخر عقلي و نعاس و ترنح في المشية و اعتلال بالأعصاب و تورم بالغدة النكفية على جانبي الوجه ، كما تكثر الإصابة بفطور المبيضات البيض ( الكانديدا ) و الفطور الأخرى بأنواعها المختلفة ، و تستفحل الآفات الفيروسية بأشكالها ، و ينتشر مرض السل ( التدرن ) في البدن ، و تكثر الاضطرابات الهضمية و اعتلال القلب و أمراض الكلى و الجلد و الاكزيمات إلى ما هنالك من علل لا يحسد صاحبها عليها ، و يتوج ذلك  سرطانات غير قليلة تثير الرعب بمجرد ذكر اسمها .

   أما الذي يولد مصابا فقد تكون له سحنة وجهية مميزة ، حيث تتباعد العينان عن بعضهما ، و تتبارز الجبهة ، ويتسطح جذر الأنف ، و تنخرف العينان ، و تكون شقوق الأجفان طويلة ، و صلبة العين ( البياض ) تكون زرقاء ، و الأنف يكون قصيرا ، و الشفاه متهدلة ، و منتصف الشفة العليا يكون على شكل مثلث ، و الرأس يكون صغيرا و الوزن ناقصا ، بالإضافة للمظاهر التي ستظهر لاحقا .

إن ما ذكرناه من نكبات تلم بالبدن سيؤدي بالتأكيد لحدوث إعاقات حقيقية عند الأطفال تتوزع على كل شعب الإعاقات المعروفة من عقلية إلى حركية إلى بصرية و سمعية و كلامية ، لا بل تتكالب عدة إعاقات و بنفس الوقت على المريض الذي لا بد أن يقعده المرض إلا من رحم ربي .

عادة ما يشخص المرض عند الأطفال بعمر ما بين شهرين إلى ثلاث سنوات ، و هؤلاء الأطفال البائسين بحاجة للعناية التمريضية الماهرة و الخبيرة ، و كذلك للرعاية الاجتماعية الصبورة ، و الدعم النفسي و المعنوي و المادي المناسب ، أما في باب العلاج ، فإن الدواءين الرئيسين اللذين يستخدمان عند الأطفال هما دواء الزيدوفودين ZIDOVUDINE) ( و دواء الدي أكسي إينوزين DIDEOXYINOSINE) ) ، و لهما نفع كبير نسبيا ، بالإضافة للمعالجات الداعمة العديدة و المضادات الحيوية  لمعالجة الأخماج و الإلتهابات ، مع الأخذ بعين الإعتبار أن علاج ما قد يتعرضون له من أمراض له بعض الخصوصية من حيث نوعية الأدوية و جرعاتها و المدة التي يجب أن يعطى الدواء خلالها ، و هناك طرق أخرى حديثة قيد التطوير لعلاج الأطفال ، و كل ذلك يحسن الحالة و لا يشفي من المرض .

    إنه مما يجب ذكره أنه إذا عرفت الأم أنها مصابة ، فإن ذلك يساعد كثيرا ، حيث أن تلقيها لدواء الزيدوفودين يقي - بإذن الله من انتقال المرض لجنينها .

    إن هذا الداء يفرض علينا تطبيق برنامج خاص لتطعيم الأطفال المصابين بدل النظام الروتيني المعتاد ، حيث يتم حذف أو استبدال بعض اللقاحات (التطعيمات) .

    الإيدز عنوان لقصة نهايتها باختصار الوفاة و حتى إشعار آخر ، ففي دراسة كبيرة تبين أن أولئك الأطفال يعيشون بعد بدء المرض فترة ما بين ( 2,5 ) شهر و ( 10 ) سنوات ، و الوسطي أقل من سنتين .

     و في الختام : الإيدز مرض فتاك طالت شروره أرجاء المعمورة ، و مجتمعاتنا من المجتمعات النظيفة نسبيا - و الحمد لله - ، و هذا يدعونا أكثر للحفاظ على نقاء البيئة الصحية لدينا ، و ذلك بالتمسك بالأخلاق الفاضلة و العادات الصحية السليمة ، و الإبتعاد عن مواطن الشبهات و الرذيلة المنتشرة في المجتمعات الأخرى .