المسيـرة الطـويلـة للقـاح عريـق

 

بقلم: Christian Bonah
* Philippe Menut
ترجمة:صابر أوبيري

 

 لا يفرض بسهولة لقاح السلّ (BCG) الممتدح أو المهان.

تستمر بفرنسا الزامية التلقيح بلقاح (BCG) منذ 1950. إنّه تميّز بالمقارنة بالبلدان الأوربية الأخرى،
و الولايات المتحدة. هل علينا البحث عن الأسباب العلمية، والسياسيّة، و الاجتماعية، و الثقافية لهذا التميّز ؟
وما شجع اللقاح ببلادنا ابتدءا من اختراعه هو تداخل كامل متأصل, وذلك بالرغم من العديد من المجادلات !


في بداية القرن العشرين كانت فرنسا متأخرة جدّا مقارنة بجيرانها البريطانيين، و الألمان اللذين كان العلاج باستعمال علم الصحة
و التغذية المتطورة جدا يحتل بهما صدارة الصراع ضدّ السلّ, هنا مبين في الصورة أطفال بمشفى Leysin ( سويسرا).

صرّح ألبير كالميت ( Albert Calmette) في فترة ما بين الحرب قائلا بأن السلّ:"من بين جلّ الأمراض البشرية الأكثر فتكا". ويحسن بنا القول أنّ العديد من حالات إلتهاب السحايا التي حدثت دون أي إشعارات
و إشعارات بالجناب(ا)(pleurésie), بل حتى بلا إشعارات بالتهاب القصيبات قد أتت لتضخم إحصائيات السلّ، وذلك في غياب تشخيص بكتريولوجي. و تساهم هذه الأرقام التي عادة ما تقارن بأرقام سابقة لا تأخذ بعين الاعتبار سوى حالات السلّ الدقيقة, تساهم على الورق في " ازدهار" المرض في بداية القرن 20.
____________________________________

العنوان الأصلي للمقال: La longue marche d'un vétéran
ونشر في مجلة (La Recherche)، عدد رقم 356، سبتمبر 2002.

*طبيب ومؤرخ، أما فيليب مونيه فمختص بالبيولوجيا ومؤرخ في العلوم، وهما علي التوالي أستاذين محاضرين، وباحثين ملحقين بدائرة التاريخ وفلسفة علوم الحياة والصحة بكلية الطب بستراسبورغ.
Christian.Bonah@medecine.u-strasbg.fr
psmenut@club-internet.fr

(أ) التهاب غشاء الجنب، وهو طبقتان رقيقتان من نسيج ضام تغطيان السطح الخارجي للرئة وجدار الصدر الداخلي. يتسيب هذا المرض بألم مميّز في الصدر، يمكن أن يتمركز ويصبح أسوء بالتنفس العميق والسعال. وينشأ عادة عن داء ذات الرئة في أغشية الرئة النحتية-المترجم

يعتبر السلّ كارثة حقيقية وخطرا وطنيا بالنسبة للرأي العام الذي يواجه المرض و لا يأبه كثيرا بتفصيلات هذه الحسابات. بيد أن فرنسا مقارنة ببريطانيا العظمى، و ألمانيا لم تدخل إلا مؤخرا في هذا الردّ المؤسساتي في العلاج باستعمال علم الصحة، والتغذية (cure hygièno- diététique).يرتكز هذا الأخير علي الثالوث (triptyque) التالي: " مستوصف للكشف علي الأمراض، و مصحّة من أجل المعالجة ، والمكان من أجل الحماية ". ولم ينتشر تطور هذا النوع من العلاج – في بلادنا – المحرّك بخجل قبل الحرب العالمية الأولى إلاّ بعد تفجّر المرض خلال الحرب العالمية الأولى, لكن إفراطه الحالي بالّنظر إلى التأخر المسجّل, يشجع قبول أية اقتراح آخر ذو كلفة أقل.

1921، إنّه تاريخ مرور ستة عشر سنة على إنكباب (Albert Calmette) و(Camille Guérin ) على إعداد لقاح بمعهد باستور بمدينة ليل(Lille) الفرنسية؛ لقد تمخّض إصرارهم تلك السنة على إجراء تلقيح بشري أول باستعمال عصيّة لقاح (BCG) المشهور (Bacille- Calmette-Guérin) ( راجع: اكتشاف BCG, كرونولوجيا مصغّرة)، وأجرى الطبيب (Benjamin Weill-Halle) بمستشفى (la Charité)، و مدير مدرسة رعاية السلّ بباريس أول حقن بوصفة – متقبّل جدّا- من ثلاث جرعات للقاح ( BCG) عن طريق الفم لمولود جديد. ومدّدت بعد أربعة أسابيع من الملاحظة دون أن يقع حادث تدريجيا جرعات اللقاح لتطال 89 مولودا جديدا تمت متابعتهم لاحقا مدّة عدّة سنوات. و سجّل (Weill-Halle ) عند هؤلاء الأطفال نسبة وفيات ضعيفة جدّا بسبب السّل
( من 0% إلى 2% ), لكن دون – في ذلك العصر- إجرائه لمقارنة مع مجموعة
مراقبة(groupe de contrôle) " أطفال غير ملقحين ".


إذا أردنا الاقتناع بضرورة استخدام (BCG) على مستوى واسع, من الملائم تبييــن أنه لا يضرّ بالفرد ويحمي بالقدر الذي يحمي فيــه المجتمع, وهكذا فقد استعان (Calmette ) بثلاث إستراتيجيات إثبات (stratégies de validation ). تتركّز الأولى على نتائج بكتريولوجيا المختبر؛ يرى كالميت بأن التلقيحات
و اختبارات العدوى المجرات على حيوانات المختبر تبين غياب نهائي للمضاعفات ولفعالية التلقيح.كما أن الباحث يعزّز أقواله بنتائج السّريري الأول:فالمتابعة الأولى لحديثي الولادة الملقّحين – على مستوى فردي – بمثابة دليل سلامة إستعمال لقاح السّل. أخيرا, نشرت إبتداءا من سنة 1927 معطيات إحصائية مدهشة:بلغت نسبة وفيات الأطفال الملقّحين 0.8%, ولا سبيل لمقارنة هذه النسبة بمعدّل 24% عند أولئك الذين لم يلقّحوا، والذين تتراوح أعمارهم من 0 إلى 1 سنة (حسب تحقيق أجري ب500 مستشفى). ويعتبر كالميت " النّفع الاجتماعي" الذي نتوقّعه بعد تطبيق التلقيح أمرا جليّا.

الانتــقادات الأولــــى
بيد أنّ منـشورات سنة 1927 أثارت سريعا إنتقادات عديدة, وأصبحت أكاديمية الطب مسرحا لمناقشة طويلة.
تحصل ( José Lignières) البيطري الذي تكوّن بمعهد باستور على نتائج ميكروبيولوجية, سريرية شككت في النظرية القائلة بعدم الضرر الكلّي للقاح السلّ.
في الـخـارج
انقسم في سنوات 1930 السلك الطبّي الفرنسي بشكل كبير في ما يخص موقفه تجاه لقاح السلّ.وأثارت المشاكل المرتبطة بإعادة التلقيح, ومفهوم الارتكاس الجلدي (cuti-réaction) بعد التلقيح, أو مسألة عدم ضرر اللقاح التي أثارت عند بعض نبلاء الطب الاجتماعي، وعند أطباء الأطفال تحفضات هامة عبّروا عليها أمام جمعية طب الأطفال, والجمعية الطبية لمستشفيات باريس فضلا على مختلف الدوريات الفرنسية.
أمّا الانتقادات في الخارج فقد استهدفت دليل فعاليّة اللقاح بدلا من استهداف عدم ضرره.أكّد كلاّ
من (Major Greenwood ) بروفيسور علم الأوبئة بجامعة لندن ، والممثل الأعلى لتقليد علم الأوبئة الإنجليزي
و البروفيسور(Arvid Wallgren ) مختص في طب الأطفال بستوكهولم على ضعف حجج كالميت الإحصائية.
يبدو من جهة أن الرقم المرجعي لمعدل الوفيات، ألا وهو 24% داخل عائلات مع حدوث حالة سلّ واحدة رقما مفرطا بالنظر إلى المعطيات القادمة من بلدان أخرى. ومن جهة أخرى يبدو أن معدل الوفيات وهو 0, 8% قد شارك في تحديده عوامل أخرى غير عامل التلقيح ذاته: عزل في ذلك الوقت الأطفال عن عائلاتهم على الأقل مدة شهر الأمر الذي أنقص أخطار الإصابة بالعدوى.كما أن الانتقادات توجه أيضا للعدد الصغير للأطفال المتابعين –ضعيف جدا حتى يؤخذ بعين الاعتبار- وغياب مجموعات مراقبة عقب إجراء دراسات سريرية وفي الأخير يؤكد الأستاذين السابق ذكرهما على صعوبة التحديد الدقيق لمعدل الوفيات من جرّاء السلّ في غياب اختبارات بكتريولوجية, بل حتى أكثر من ذلك في غياب اختبارات تشريحية.

اكتشاف لقاح السّل, كرونولوجيا مصغّرة
1905- 1906: إصابة هضمية لبقريات صغيرة بعصية كوخ (Koch) وحينما شفيت من السمّ غدت الحيوانات
مقاومة للإصابة من جديد.
1908 : إعداد وسط زراعـة يسمح بتغيير مميزات عصيّـة كـــوخ.
1912 : لم تعد عصية كـوخ – بعد 96 عملية زراعية متتاليـة- مسببة للمرض بالنسبة للبقريات
( في الوقت الذي تبقى فيه مسببة للمرض عند الأحصنــة).أخذت هذه العصية المهدئة شيئا
فشيئا إسم عصيّـة كــالميت –غيرين ( Calmette –Guérin ).
1913-1921: إعـداد تجريبي للقاح السل عن طريق متابعة تخفيف زراعة, وتقييم مستمر للسلامة
و الفعالية باستخدام الأرانب و الفئران و البقريات.
1921: أول تلقيح بشري لمولود جديــد عن طريق الفم.



ألبير كالميت وكاميل غيرين سنة 1932

1926: لقّح رسميا 19830 طفـل بفرنسا دون ظهور أية مضاعفات.
1927: بـداية مجادلات علمية وطنية ودولية بشأن سلامة إستعمال لقاح السل وفعاليته.


وزّع لقاح ( BCG ) الذي موّلــه معهد بــاستـور و اللجـنة الوطـنية للـدفاع عن السّل وموّلـته الوزارة " مجّــانا ", بمجرد طلب من طبيب
أو قابلـة من معهد باستور, يرسل هذا الأخير بالبريد ثلاثة أنبولات لتحقن بالفـم خلال الأيـام العشرة الأوائـل من حيــاة الرضيـع.

إذن فإن النظرة الطبية للقاح السلّ بعيدة عن كونها تحالفا حرا سواء بفرنسا أم بالخارج.لكن ذلك لا يمنع من تأصل(implantation) اللقاح السريع في بعض البلدان:فرنسا ومستعمراتها, رومانيا, جمهوريات الاتحاد السوفيتي, واليونان, وبلجيكا, وبولونيا. لقد أعدت هذه البلدان " المتحولة " (pays convertis) فورا بعد الإعلانات الأولى لسنة 1924 أبحاثا حول لقاح السلّ, مثلما يشهد على ذلك دفاتر إرسال أصول
اللقاح (souches vaccinales) لمعهد باستور بباريس, غير أن التلقيح أجري بهذه البلدان قبل عام 1927.

الاخــتلافــــات
وبالمقابل تجمع مجموعة " بلدان معاديّة "، بالخصوص بريطانيا العظمى واستراليا، و الولايات المتحدة. وشككت بها المجموعة العلميّة أدلة علم الأوبئة المتعلقة بعدم ضرر (innocuité) وفعاليّة اللقاح، وغيّروا اسمه ليصبح:
(BCG, better Go cautiously) " من الأحسن التحرك بحذر". وبين البينين أجرت بسرعة وبالتدريج " البلدان المرتابة " أبحاثا في تتعلق بلقاح السلّ. أما البلدان الاسكندينافية فقد عدّلت معايير اللقاح حسب أبحاثها الخاصة
( حقن تحت الجلد مثلا )، ومدّدت التلقيح بشكل واسع خلال العقدين اللاحقين. أما ألمانيا وسويسرا، زيادة علي النمسا فلم تدخل من جهتها التلقيح إلا بصفة جزئية، وبشكل بطيء أكثر، بل أوقفوه خلال بضعت سنوات قبل أن يستعدوه بعد الحرب العالمية. ومردّ هذا التوقيف لـ " مأساة Lubeck ": أشرف سنة 1930 أطباء ذوي خبرة علي استخدام اللقاح بمدينة(Lubeck) الألمانيّة متبعين حرفيا وصفات كالميت، حيث لقح 256 مولود جديد بين شهري فيفري، وافريل 1930. وأدت وفاة ثالث طفل لوقف عملية التلقيح. أما سنة 1932 فقد توفي 77 طفل ملقح ومرض أكثر من 130 طفل، وشكلت منذ بداية شهر ماي 1930 لجنة تحقيق جمعت بضعت أفضل الخبراء الألمان. وأخيرا فقد رفعت القضية أمام محكمة الجنايات بدعوى القتل غير المتعمد. وتمت ابتداء من شهر أكتوبر 1930 إلي شهر فيفري 1931 – علي أساس اشتداد الضغوطات الغربية الألمانيّة- محاكمة طويلة بتغطيّة إعلامية دوليّة. احتفظ الحكم النهائي باحتمال حدوث عدوى غير متعمدة بعصيّة (BCG) من أصل سلّ جرثومي(virulent) اثر الإنتاج المحلي للقاح، وحكمت علي طبيبين بعقوبة السجن النافذ (peine de prison ferme).

وقوع الحكم تحت التأثير
أثّرت مأساة Lubeck بعمق علي تصور الرأي العام للتلقيح، علي الأقل حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وذلك بالرغم من إيجاد حلّ قانوني لها سنة 1931، سيّما بسبب الخلافات العميقة التي حصلت بين الخبراء في أثناء المحاكمة. يسمح بفرنسا التسيير المركزي، والمنظّم للإعلام من قبل معهد باستور، والوزارات المعنيّة بالحدّ من الشكوك التي تلصق بالتلقيح في أوساط الرأي العام. يستمد دعم لقاح السلّ قوته بالخصوص من التصور العام للخطر الذي يتربص بالوطن، وعدم توفير بديل، ويستمد قوته أيضا من عدم توفر بدائل كافية، ومن القيمة الخاصة لمعهد باستور، ولعلاقاته المتميّزة مع المؤسسات الإدارية. ويفسر دائما تأثير معهد باستور قبول اللقاح في البلدان
" المتحولة ": كون الشباب المختصين في البكتريولوجيا بهذا المركز المتميّز. وتعد عودة القبول بأبحاث كالميت داخل هذه الدوائر أكثر سهولة، وذلك لأسباب علميّة وتقنيّة واجتماعيّة. ويكتسي عمل البحث خارج هذه المجموعة العلميّة بالمقابل بشكل واضح أكثر أهميّة، وهو إذن عمل يستغرق وقت أطول. وتفسر فيما تفسر مثل هته الظاهرة لـ " مدرسة علميّة " بألمانيا سبب وقف التلقيح بالبلدان الجرمانوفيّة (germanophones) بعد مأساة Lubeck.
أما المؤرخان (Olivier Faure)، و(Dominique Dessertine) فيتمسكان بوجه آخر للمشكلة حينما يصفان الوضع في فترة ما بين الحربين بفرنسا. ويؤكدان بأن مديري المشافي وأطباء المصحات قد انشغلوا كلية بهذا العمل عقب أن أدهشهم بعده الاجتماعي. ينم الاستقبال الذي خصصه هؤلاء المحترفين، سيّما الفاتر منه، للقاح السلّ علي توجههم لتفضيل الطابع الاجتماعي علي الطابع الطبيّ، وحماية المؤسسات القائمة: يمكن لاستعمال السلّ إنشاء
" أمن وهمي " مشؤوم للمكتسبات التربوية المراعي لحياة سليمة معتدلة وأخلاقيّة. يوضح هذا التحليل التحفظ الأكيد، بل يوضح اللامبالاة المطلقة للقاح السلّ بألمانيا، وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة- البلدان التي يلاحظ فيها التطور الكبير للدوائر الإدارية التي تبنت المشروع الصحي والغذائي والتربوي. وقع بشكل نهائي وحتى نهاية عام 1945 التثبيت الأكثر قوة للقاح السلّ بالبلدان الاسكندينافية التي كانت تمتع في ذلك العهد بتقليد حقيقي في مجال الصحة العموميّة.

ما بعـد الـحـرب
دعى الصليب الأحمر سنة 1947 لحملات تلقيح شعبية في هنغاريا, بولونيا ويوغسلافيا ورومانيا والنمسا وألمانيا في إطار المساعدة في لإعادة البناء بعد الحرب العالمية الثانية، ومواجهة لتصاعـد عام لمرض السلّ. لقّح الصليب الأحمر الدنماركي بعد إن انضم إليه الصليب الأحمر السويدي، ومجموعة نرويجية تدعى " مجموعة إنقاذ أوربا "
(Relief For Europe) حتى شهر سبتمبر 1949 أكثر من ثمانية ملايين في إطار برنامج: " المؤسسة المشتركة" (Joint Entreprise). وأعاد صندوق الأمم المتحدة من أجل الطفولة(UNICEF) المبادرة، حيث استمر في التلقيح عبر أرجاء العالم برمته ابتداء من عام 1951. بيد أن الحرب العالميّة الثانيّة مثّلت قطيعة داخل بريطانيا العظمى. وزعزع نقص رهيب للممرضات نظام المعالجة المؤسساتيّة وأدى سنة 1947 إلي إنشاء لجنة لتطبيق التجارب السريريّة الخاصة بلقاح السلّ. وبعث عام 1950 مجلس البحث الطبيّ(Medical Research Council) تجربة سريريّة ضمت 56000 متمدرس تبعا للتقنين(codification) المقام بعيد الحرب العالميّة الثانيّة(I): عيّنة إحصائية معبّّرة على مجموعات المراقبة غير الملقحة, وخيار اتفاقي(aléatoire) للملقحين وغير الملقحيـن, ومتابعة إجبارية خلال العديد من السنوات بعد تناول اللقاح (administration).وقد نشرت نفس هذه الهيئة سنة
______________________

(I) نشرت مجلة (La Recherche)
J.-P. Gaudillière," Des médicaments sous contrôle", hors-série " La science et la Guerre ", avril-juin 2002.


1948 نتائج ما يعتبر أول تجربة سريرية حديثة, موضوعها فائدة الستربتوميسين (Streptomycine) في علاج السّل, أما فيما يخص لقاح عصية السلّ, التي أجرى تجربتها السريرية, ونشر نتائجها بين أعوام 1953 و 1963 مجلس البحث الطبي (MRC) فقد كانت تجاربا إيجابية.لكن الحقيقة أن تعميم اللقاح في بريطانيا العظمى كان إبتداء من 1953 دون أن يغدو أبدا إلزاميا – مما يدل على أن حجة علم الأوبئة ما هي إلا عنصرا من العناصر داخل هذه التقلبات (revirements).وبصفة أعم فإنّ إدخال لقاح (BCG) في بريطانيا العظمى جزء من الإصلاحات الاجتماعية للحكومـة العمالية، ويمثل مبادرة هامة لمصلحة الصحة القومية (National Health Service) التي كانت آن ذاك حديثة النشأة.

ما نوع التلقيــح المراد ؟

إذا اتبعنا المنهج الذي الذي انتهجه (Benjamin Weill-Halle) عقب التلقيح الأول بعصيّة (BCG) المحقق سنة 1921 فإن طريقة تناول اللقاح عبر الفم هي التي تلغي حظوة الأطباء حتى فيما بعد الحرب العالمية الثانية. وبقيت الطريقة نفسها مستعملة حينما تأسست إلزامية التلقيح سنة 1950, بالمقابل أوصت البلدان إبتداء من قبل الحرب العالمية الثانية بتناول اللقاح بالحقن تحت الجلد
(sous cutanée), بل بطريقة حقن واقع بين طبقات البشرة (intradermique ) مثلما هو الحال عليه اليوم. وعلى أية حال فإن هاتين الطريقتين طبقتا إثر تجارب التلقيح الجماعية بعد 1945 لسبب مهم: يتزامن التلقيح الفمّي مع نتائج محتشمة جدّا بخصوص اختبار السّلّين (test à la tuberculine) ( الارتكاس الجلدي الشهير)، وهي الوسيلة الوحيدة في أيامنا هذه للتحقّق من أن التلقيح
" قد أتى أكله". وبالمقابل فإنّ رد الفعل الإيجـابي أكثر شيوعا بكثير (على الرغم من أنه ليس مطلقا ) من طرق تناول اللقاح الأخرى. بالفعل، وكما الحلّ في جلّ تاريخ لقاح عصيّة (BCG) تداخلت عوامل اجتماعية، وثقافية مع العوامل العلمية وذلك حتى سنوات 1980. أما اليوم فطريقة الحقن بين طبقات البشرة هي الأكثر استخداما دون أن تكون بهذا القدر الطريقة الوحيدة المعترف بها.

الإلزام القـــانونـــي
انعقد سنة 1949 بباريس أول مؤتمر دولي لعصيّة (BCG) تحت رعاية معهد باستور، حيث ناقش 300 عالم قدموا من 35 بلدا قيمة عصيّة (BCG). و قدمت الخلاصات المنشورة علي أنّ اللقاح الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية من السّل.


أدى التصويت على إجبارية التلقيح ب BCG سنة 1954 لميلاد حركة معارضة منظمة تسمى الرابطة الوطنية من أجل حرية التلقيح. استمدت الحركة التي دام نشاطها أكثر من 30 سنة أفكارها من التاريخ المتقلب للتلقيح وكل ذلك من أجل تبرير معارضتها لاجبـارية التلقيح.


وتمثل هذه الاستنتاجات نقطة انطلاق و مرجع العملية الإدارية التي تمخض عنها بعد عامين الإجبارية القانونية
للتلقيح في فرنسا.صادق برلمان الوطن على مشروع القانون يوم 18 أفريل 1949 دون مناقشة. أنشىء مجلس الجمهورية (مجلس الشيوخ الحالي ) - الأكثر ترددا – لجنة تحقيق للصحة العمومية, حيث أيّد وزير الصحة
و الإسكان (Pierre Schuerter) التسليح الأقصى ضد كارثة لا يمكن توقع اختفائها بشكل سريع. كانت نتيجة التصويت 12 جويلية 1947 الحصول على أغلبية ساحقة لصالح مبدأ التلقيح، غير أن الشيوخ تساءلوا عن الإلزامية القانونية للقاح، وطرحوا المسألة الجوهرية للحرية الفردية في مواجهة الصحة العمومية، و خففوا العقوبات في حال إعاقة القانون. أظهرت إلزامية التلقيح أخيرا في وقت تبيّن للسلك الطبّّّي والإداري بأن التلقيح على الرغم من اختراعه في فرنسا وجد فيها استعمال أكتر ترداد من غيرها من بلدان أخرى، سيّما بالبلدان الإسكندنافية. وبصفة أعم جاء التلقيح في فترة تؤكد الدولة الحامية(Etat-Providence) علي حصول الجميع على العناية الصحية على قدم المساواة.

مـفارقـــة
إذا رجعنا للوراء نجد سخرية معينة في كرونولوجيا الصراع ضد السل في فرنسا:تعممت المشافي في وقت تطبيق لقاح السل، وأصبح هذا الأخير إلزامي خلال فترة قليلة بعد إدخال علاج المضادات الحيوية باستعمال ستربتومايسين. وهذا الأخير مع ذلك، مسؤول لحد كبير للانخفاض المدهش في معدل الوفيات بسبب السلّ في بلادنا ما بعد الحرب؛ 15692 حالة سنة 1953 مقابل 33699 سنة 1946. والحال أن تاريخ لقاح السلّ برهنة نموذجية من حيت أن القرارات الطبية في الصحة العمومية ليست وحسب مؤسسة على حجج علمية.فعلا تبقى المجادلات والشكوك العلمية هامش تفسير تؤدي إلى استخدامات متباينة لحد كبير للتلقيح حسب السياقات السياسية والثقافية.إذا وقع التلقيح فإنّ النقاش الذي يثيره ربما في فرنسا تقرير باستور الوطني
لـ (Veille Sanitaire) قد يخص وقفا محتملا للتلقيح الإجباري بواسطة استعمال عصيّة B C G) (
[ راجع المقال السابق] الذي يصنع بالتأكيد صدى هذه العوامل.


انتهى
 



لمزيد من المعلومـات راجـع

* A.Calmette, La vaccination préventive contre la tuberculose par le BCG, Masson, Paris, 1927.

* S.R. Rosenthal, BCG Vaccination against tuberculosis, Little Brown, Boston, 1978.

* O. Faure et D. Dessertine, Combattre la tuberculose, 1900-1940, Presse Universitaires de Lyon, 1988.

* M. Ferru, La faillite du BCG, Témoignages d'hier et d'aujourd'hui, Editions Princeps, Poitiers, 1977 (réimpression 1995).

* L. Bruder, Linda, Social Science and Medecine, 49, 11571167, 1999.

* Histoire de la médicine (recueil de sites): www.medintel.net/fr_histr.htm

* Biographies de Calmette et Guérin: www.pasteur.fr/infosci/archives/fbio.htm