الأنظمة الصحية في الدول الرأسمالية
مقارنة احصائية

 

الدكتور محمد سامي وليد

طبيب باحث مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

تختلف أنظمة الرعاية الصحية للمواطنين من دولة الى أخر حيث يغلب في بعضها القطاع الحكومي و في بعضها الآخر القطاع الخاص و هي تشكل جزءاً هاماً من ميزانية كل بلد. و نظراً لتزايد العبء على أصحاب القرار من أجل تحسين مستوى الرعاية الصحية للمواطنين ظهر في الآونة الأخيرة اهتمام الباحثين بمقارنة أنظمة الصحة في دول العالم من حيث كلفتها و فعاليتها. أهم المعطيات حول هذا الموضوع جاءت من منظمة التعاون و التطور الاقتصادي OECD التي قارنت الدول السبعة عشر الأعضاء من حيث نسبة مصاريف الرعاية الصحية الى الناتج القومي أو مصاريف الرعاية الصحية للفرد. هذه المقارنات البسيطة مفيدة و غالباً ما تستخدم في المجالس السياسية و المناقشات العامة كأدلة حول الشح أو البذخ في تمويل القطاع الصحي للبلد. ولكن في الواقع ليست هذه المقارنات كافية لاستنتاج  النسبة المثلى من الميزانية التي يجب تكريسها للرعاية الصحية في بلد معين. فالعلاقة بين تمويل الرعاية الصحية و صحة السكان ليست بهذه البساطة اذ تختلف باختلاف النظام السياسي للدولة و دخلها القومي و انتشار الأمراض فيها و القيم و التقاليد العائلية للسكان. كما أن بعض هذه المقارنات محدودة بغياب تعريف موحد لمصادر القطاع الصحي و معظمها يستخدم أرقام حول القطاع الرسمي (العام) فقط. و نظراً لاختلاف التقاليد الموروثة في رعاية كبار السن و المرضى المزمنين فإن تجاهل القطاع غير الرسمي قد يحرف هذه الاحصاءات و المقارنات بشكل كبير.

لأخذ فكرة واضحة عن هذه الاختلافات اخترنا ثمانية دول غنية من منظمة OECD و هي فرنسا و ألمانيا و السويد و المملكة المتحدة و الولايات المتحدة و اليابان و كندا و أستراليا و قمنا بمقارنة أهم المؤشرات المذكورة أعلاه لعام 2004. استخدمنا في بحثنا منشورات منظمة OECD و موقع Google للبحث في الشبكة العالمية.

المخطط الأول

مصاريف الرعاية الصحية بالنسبة للناتج القومي

يظهر المخطط الأول أن نسبة مصاريف الرعاية الصحية الى الناتج القومي في الولايات المتحدة هي الأعلى بين هذه الدول الثمانية تليها ألمانيا أما اليابان فالنسبة فيها هي الأقل.

المخطط الثاني

نسبة مشاركة القطاع العام في الرعاية الصحية

على العكس يظهر المخطط الثاني أن نسبة مشاركة القطاع العام في الرعاية الصحية للمواطنين هي الأقل في الولايات المتحدة أما في المملكة المتحدة و السويد فالنسبة فيهما هي الأعلى تليهما اليابان و فرنسا و ألمانيا.

المخطط الثالث

مصاريف الرعاية الصحية للفرد بالقدرة الشرائية المعادلة بالدولار PPP$

مصاريف الرعاية الصحية للفرد بالقدرة الشرائية المعادلة بالدولار تحسب بتقسيم مصاريف الرعاية الصحية في القطاعين العام و الخاص بالقدرة الشرائية المعادلة بالدولار على عدد سكان الدولة. المخطط الثالث يظهر أن مصاريف الرعاية الصحية للفرد في الولايات المتحدة هي الأعلى و ضعف مصاريف الفرد في جارتها كندا التي تليها بين الدول الثمانية. المملكة المتحدة على العكس مصاريف الفرد فيها هي الأقل.

مصاريف الرعاية الصحية بالنسبة للناتج القومي أو للفرد يجب أن تفسر بحذر. فتغيرات نسبة مصاريف الرعاية الصحية الى الناتج القومي قد تعود الى تغيرات في القيمة المطلقة لهذه المصاريف أو الناتج القومي للبلد. لذا فإن استخدام القدرة الشرائية للفرد لمقارنة مصاريف الرعاية الصحية قد يكون أفضل على الرغم من صعوبة تحويل العملات المختلفة الى معيار قياس موحد. من أجل حل هذه المشكلة يستخدم مؤشر تعديل القدرة الشرائية Purchasing Power Parity (PPP). لكن تطبيق هذا المؤشر على قطاع الخدمات الصحية المجاني له مشاكله الخاصة. و هناك عيوب أخرى في كلا المؤشرين و هو أن التغيرات في مدى استخدام هذه المصادر لا يمكن تفريقها عن التغيرات في الأسعار. كذلك لا تعكس المصاريف التكلفة الاقتصادية الحقيقية للخدمات الصحية فقد تكون المصاريف أعلى في بلد بالنسبة لبلد آخر و لكن التكلفة الاقتصادية متساوية. لذا أدخلت مؤشرات جديدة الى هذه المقارنات مثل عدد الأطباء و الممرضات و الأسرّة و أجهزة التصوير الطبقي المحوري و الرنين المغناطيسي الى عدد السكان.

المخطط الرابع

عدد الأطباء الممارسين (أزرق) و أسرّة الرعاية الحادة (بنفسجي) الى كل ألف نسمة

يظهر المخطط الرابع أن عدد أسرّة الرعاية الحادة acute care الى كل ألف نسمة هو الأعلى في اليابان تليها ألمانيا و الأخفض في السويد. أما عدد الأطباء الممارسين الى كل ألف نسمة فهو الأعلى في فرنسا و ألمانيا و الأخفض في اليابان.

المخطط الخامس

عدد أجهزة الرنين المغناطيسي الى مليون نسمة

يظهر المخطط الخامس أن عدد أجهزة الرنين المغناطيسي هو الأعلى في اليابان تليها الولايات المتحدة و السويد.

مما سبق نستنتج أن الولايات المتحدة تتميز بغلاء القطاع الصحي فيها. و تفسر النسبة المرتفعة لمصاريف الرعاية الصحية الى الناتج القومي في الولايات المتحدة بارتفاع أجور الأطباء و توفر الأجهزة الحديثة و ممارسة الطب بشكل دفاعي defensive medicine خوفاً من الخطأ الطبي و ما يترتب عليه من ملاحقة قضائية و غرامة مالية كبيرة. و بدراسة معطيات الدول الثمانية نرى أن مصاريف الرعاية الصحية الى الناتج القومي تتناسب طردياً مع مصاريف الرعاية الصحية للفرد (r=0.910, p<0.01) و عكسياً مع نسبة مشاركة القطاع العام في تقديم الخدمات الصحية (r=-0.865, p<0.01). و عكس الولايات المتحدة تحتل المملكة المتحدة المرتبة الأولى في مكانة القطاع العام في الرعاية الصحية للمواطنين و المرتبة الأخيرة في مصاريف الرعاية الصحية للفرد. من جهة أخرى تبرز اليابان المشهورة بتطورها التكنولوجي من حيث عدد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي و عدد الأسرّة المتوفرة للسكان. أما فرنسا و ألمانيا فتتفوق بعدد الأطباء الممارسين الى عدد السكان.

لقد اخترنا هذه البلدان الثمانية لأنها ثرية و متطورة و بإمكانها توفير متطلبات الرعاية الصحية لمواطنيها. فالاختلافات بين أنظمتها الصحية تعكس على الأكثر اختلافات في الرأي و ليس في الامكانات الاقتصادية. و لكن يجب التنويه الى أن مقارنات الأنظمة الصحية للبلدان لا تعكس الحالة الصحية للمواطني هذه البلدان. فانتشار الأمراض الانتانية و الأمراض القلبية الوعائية و السرطان و البدانة تختلف من بلد لآخر و ترتبط بعوامل عديدة أهمها طريقة الحياة way of life و الأكل أما النظام الصحي فموضوع لمعالجة هذه المشاكل التي يستحيل اجتثاثها تماماً.

لمراسلة المؤلف يمكنكم استخدام الفكس 1-720-5338746 أو البريد الإلكتروني mswalid@yahoo.com
موقع الدكتور محمد سامي وليد على الانترنت www.walid.co.nr