القلس المعدي المريئي Gastroesophageal Reflux (GER)

 

الشكايات الهضمية ثاني أشيع الشكايات بعد الشكايات التنفسية التي تحث الأهل على زيارة طبيب الأطفال ؛ للاطمئنان على أطفالهم طبعاً لا لتطوير العلاقات الاجتماعية مع الطبيب ! و كما هو الحال مع باقي أجهزة الجسم ؛ فإن جهاز الهضم يتابع تطوره بعد الولادة في النضج و التشريح و الوظيفة . و يعد القلس المعدي المريئي من بين أشيع الحالات الهضمية التي يمكن أن تعزى إلى المنحى التطوري عند الطفل حديث الولادة .
و القلس هو الانقذاف العفوي لكميات بسيطة من محتويات المعدة إلى المري و من ثم عبر الفم ، و هذا ما يميزه عن القيء الذي هو قذف جهدي لكميات كبيرة ، و في حين يظل الطفل طبيعياً و هادئاً و سعيداً و ربما جائعاً يطلب المزيد من الغذاء في حالة القلس ، نراه حزيناً تعباً باكياً عادة ، زاهداً في طعامه بعد الإقياء . و إن الغالبية الساحقة من الأطفال خبروا حالة القلس الذي يصيبهم عادة بين الأعمار 6-18 شهراً ، و من الممكن أن يصيبهم أيضاً بأعمار أقل من ذلك أو يستمر لأبعد من ذلك ، بيد أنه مجملاً لا يؤثر على فعاليتهم ، و لا على حسن تغذيتهم أو على معدل اكتسابهم الوزن ، و لا يستر خلفه حادثة مرضية . أما في حال زادت كميات القلس كثيراً ، و ترافقت مع أعراض أو علامات مرضية ، و مع انخفاض شهية الطفل ، أو مع فقدانه للوزن ، أو سوء اكتسابه له ، فإنه من الممكن أن يكون مرضاً أو علامة من علامات االمرض ، حيث يصاب الطفل المسكين عندها بما يسمى داء القلس المعدي المريئي GERD .
و لم يخلق اللهُ سبحانه و تعالى شيئاً إلا لحكمة و بقدر ، بيد أن أفهام العباد تقصر أحياناً عن فهم هذه الحكمة ، و اتي لا يمكن أبداً أن نبلغها بالكلية . و لنتساءل الآن : ترى ما الفائدة أو الحكمة من شكوى الطفل الصغير من القلس في سياق تطوره الهضمي ؟ و قبل أن أحاول الإجابة عن هذا التساؤل أعيد فأذكر أنه ما من أحد قادر على أن يبلغ و يفهم كل هذه الحكمة ، و جل ما هنالك أننا يمكن أن نحاول فهمها أو نتبين بعضاً من جوانبها . فالضعف هو أحد ما يميز المراحل الأولى من حياة الإنسان بعد ولادته ، و تكمن أهمية أن يولد الإنمسان ضعيفاً في العديد من الجوانب ؛ منها أن لا يرهق جسد الأم الحامل بالمراحل التكوينية الشديدة التي يمكن أن تكون متطلبة لتخلق طفل متين البنية كامل التطور و التكوين ؛ فيصبح التوالد في الإنسان ، و الذي ينببغي أن يكون سبباً من أسباب استمراره سبباً أيضاً لضعفه و لفنائه بما يحمله من إرهاق و إمراض لبنية و جسد الأم ، علماً أن الوفيات الوالدية المتعلقة بالحمل و الولادة و الفترة التي تليها (خلال 6-أشهر إلى سنة من الولادة) لا تزال من المسببات الأولى لوفيات الأمهات في الدول النامية و لا سيما الهند و الباكستان و الدول الإفريقية جنوب الصحراء . و لك أن تتخيل كيف يمكن أن تكون الحياة و مواردها فيما لو هيأ البشر أساساً ليتكيفوا مع مثل هذه الظروف ، فباعتبار أننا مقيمون على هذه الأرض ، و بهذه الكثرة النسبية (أكثر من 6 مليارات إنسان) ، و في هذا الزمن ، و ضمن هذه الظروف و الأوضاع ، و باستغلال هذه الموارد المتاحة ؛ لا يمكن إلا أن نكون كذلك ، و لا يمكن أن تكون مواليدنا إلا بهذه الحجوم و بهذا التكوين .
و لعل الخالق عز و جل أراد أن يولد الإنسان ضعيفاً ، ليشتد عوده و تقوى بنيته بعد ولادته ، فيتمرس على الحياة و يعتاد ظروفها ، و هو الذي قضى أول تسعة أشهر من حياته مدللاً في رحم أمه ، غير مكلف لا بالمص و لا المضغ و لا البلع و لا حتى بالنفس ، بل كان غذاؤه يأتيه مهضوماً مؤكسجاً مخلصاً من كل ما يمكن أن يضره إلى دمه مباشرة ، و ما البلع الذي يقوم به الطفل خلال حياته الرحمية إلا ليتدرب على بلع الحليب الذي سيرضعه من والدته بعد ولادته مباشرة ، و بالتالي لا بد أن يتعلم هذا الطفل أن الحياة ليست بمثل هذا الدلال و لا هذا النعيم الذي يظن ، و لا بد ، إن كان مكتوباً له أن يستمر بها ، لا بد أن يختبر جسده و بنيته ليرى مدى تناسبه معها ، فنرى أن الكثير من الأطفال المصابين بالأمراض الشديدة و التشوهات الخلقية و العيوب التطورية غير قادرين على متابعة حياتهم ، فينسحبون بهدوء منذ بدايتها ، أو حتى قبل بدايتها ، مخلصين أنفسهم من عناء مقاساتها بظروفهم الصعبة ، و مخلصين أهلهم و محبيهم من حزن و ألم دائمين إن بقوا على قيد الحياة ، أو ماتوا بعد ذلك .
من جهة أخرى لا بد للطفل أن يحصل على غذائه لينمو و يتطور ، و يجب أن يقدم له هذا الغذاء بكل اهتمام و عناية و محبة ، و لا ينبغي أن نحجر تغذوياً على الطفل الرضيع بأعمار أقل من 3 أو 4 أشهر ، بمعنى أن له في هذه الفترة كل ما يطلب و يتمنى ، و ينبغي أن لا يحاول الأهل تقنين أو تنظيم الوجبات في هذه الفترة ، ليس ذلك فحسب ، بل لا بد أن يعرض الغذاء على الرضيع في هذه الفترة كلما بكى ، بالرغم من أن سبب البكاء قد لا يمت بصلة إلى جوع الطفل أو شبعه . فالغذاء إذاً هام جداً للطفل في هذه الفترة ، و هذا يعني أنه لا بد من وجود آلية تنظيمية ذاتية لحماية الطفل من أن يزيد طعامه على حده ، فما على الطفل إلا الغذاء ، و ليترك الاهتمام بالتخلص من فائض غذائه على عاتق هذا المنعكس ، أي القلس ، الذي يخلصه من كميات بسيطة زائدة عن حاجته من غذائه ، فإذا ترك لينام بعد أن يأكل ؛ لا خوف من رجوع هذا الفائض إلى رئتيه أو أنفه فيختنق . و هنا يأتي دور الإجراءات التغذوية الصحية التي ينبغي على كل أم أن تتعلمها و تتقنها ، و التي من بينها حمل الطفل عمودياً و التربيت على ظهره بلطف بعد كل وجبة من أجل أن يتخلص من الهواء الزائد الذي ابتلعه أثناء رضاعته ، و بنفس الوقت فإنه يمكن أن يتخلص من الغذاء الزائد الذي يمكن أن يكون فاض عن حجم معدته الصغيرة ، فيخرج بالقلس بعد خروج الهواء .
و يتمتع القلس بخواص فيزيائية و كيميائية تدل على طبيعته ، و بالتالي فإن اختلاف هذه الخواص من حيث الكمية أو اللون أو الطعم أو الرائحة يمكن أن يكون مفيداً للطبيب أحياناً في تشخيص بعض الأمراض .
لهذه الأسباب و غيرها ، مما نعلمه و مما لا نعلمه ، أقول إن القلس المعدي المريئي ، و لا أعني الداء ، هو حالة طبيعية تماماً مر بها أغلب سكان الكوكب ، و ساهمت أيضاً بتعزيز أواصر اامحبة و الروابط الاجتماعية بين البشر ، لأنني عندما أرى ابن أختي الجديد "عمرو" في المستقبل عندما يكبر ، إن شاء الله تعالى ، فسأقول له : سقى الله أياماً حملتك فيها و أنت صغير ، و كثيراً ما كنت "تقلس" على كتف خالك من الأطايب التي كنت تلتهمها .