"خرطوش".. لإنقاذ ملايين البشر

 

بعد نجاح علماء الهندسة الوراثية والنسيجية في إنتاج جلد بشري، وغضاريف، وعظام صناعية.. يتجه الهدف الأكبر الآن نحو تصنيع كلى وكبد وبنكرياس؛ لتوفير أعضاء بديلة تغطي النقص الشديد الذي يواجه عمليات زراعة الأعضاء، وتنهي الحاجة إلى أعضاء حيوانية غير مأمونة.

وفي المستقبل القريب ستظهر في المستشفيات والمراكز الطبية أعضاء صناعية تقوم بوظيفة أي جزء من الجسم أصابه العجز. وقد بدأت تباشير هذا الإنجاز في الظهور بنهاية العام الماضي؛ حيث ظهر جيل جديد من الأدوات الهجينة، تتكون من جزء صناعي وجزء آخر من الخلايا الحيّة، ولا تزال تلك الأجهزة المساعدة بانتظار موافقة الجهات المعنية لتداولها بشكل رسمي مع بدايات 2004.

فالإنسان عندما يفقد كل أو بعض خلاياه الحية النشطة العاملة ليل نهار تتحول حياته إلى جحيم لا يطاق، ولا أحد يعرف هذه الحقيقة المرة أفضل من مرضى الفشل الكلوي. فكل منهم يستعمل جهاز الغسيل الكلوي من ثلاث إلى ستّ مرات كل أسبوع.

وبرغم فعالية هذه الأجهزة فإن متوسط العمر المتوقع للمريض الذي يستعملها لا يزيد عن خمس سنوات. ومن المعلوم أن أكثر من نصف المصابين بالفشل الكلوي الحاد يموتون؛ إما نتيجة لعدم وجود متبرع لاستبدال الكلية، أو للعلاج الكيميائي أو نتيجة للمشاكل الصحية الإضافية الناجمة عن الغسيل الكلوي مثل العدوى بأمراض فتاكة. 

كلية في خَرطوش

لكن تجربة طبية صغيرة أجريت في الشتاء الماضي 2003 بالولايات المتحدة الأمريكية جددت الأمل في معالجة مبتكرة لمرض الفشل الكلوي الحادّ. ونجا 6 من المرضى من أصل 10 على الرغم من أن احتمالات نجاتهم من الموت لم تتخط نسبة 20%.

وتمثل الأمل الجديد على هيئة "خرطوش بلاستيكي". وخرطوش: ترجمة لكلمتي Cartouche أو Cartridge، وهي دلالة على إناء يحتوي سائل أو قذائف، ويشبه هذا الخرطوش الكلية الصناعية، ويتكون من مليار خلية كلوية حية من خلايا الكلى الإنسانية الموزعة داخل 4 آلاف ليفة بلاستيكية مجوفة نصف شفافة. وسمي هذا الخرطوش البلاستيكي بالكلية الأحيائية الصناعية bioartificial kidney. وتقوم بتنقية الدم من المواد الضارة وتنتج مواد مهمة في مقاومة المرضى، وعلاج الفشل الكلوي الحاد.

وطوّر هذه الكلية الجديدة فريق من العلماء بقيادة "ديفيد هوميس" طبيب الأمراض الباطنية بجامعة مشيغان بعد أبحاث استمرت لعقد من الزمن. ويجري حاليًا تطوير مشروع لإنتاج الكلى الاصطناعية الجديدة تحت اسم "كلية في خرطوشة" عن طريق شركة تابعة لجامعة مشيجان، ويمكن أن تكون جاهزة للاستعمال الواسع الانتشار في غضون 3 سنوات لمساعدة مرضى الفشل الكلوي.

كبد.. إحيائية

الكبد الحيوي الصناعي: مصنع من الخلايا التي تستطيع البقاء على قيد الحياة لعدة شهور

والتقطت عدّة مختبرات أكاديمية هذه الفكرة، وبدأت في تطويرها لتحل محل أعضاء أخرى؛ فتقوم حاليًا بتطوير أدوات مشابهة، إلا أنها مكتظّة بخلايا الكبد بدلا من خلايا الكلية لحصد السموم التي تتجمّع في الدم عندما تفشل الكبد فجأة. وتعتبر الكبد من أعضاء الإنسان المهمة التي لا يمكن العيش دونها، وهي أكبر عضو في جسم الإنسان.

وقد تتعرض الكبد لكثير من الأمراض التي تؤدي إلى تليفها، وبالتالي فشلها وعدم قدرتها على تأدية وظائفها المهمة على أكمل وجه. وللكبد وظائف كثيرة؛ فهي تعمل كمصفاة للدم، فإذا ما تعطلت تسمم الدم، وتأثرت وظائف أعضائه المهمة وخاصة المخ، وتعتبر عملية زرع الكبد العلاج الوحيد الموجود لكثير من أمراض الكبد المزمنة. ولكن التقنية الجديدة تقدم بديلا رائعًا لزراعة الكبد، وأكدت التجارب الأولية التي أجريت على البشر أن هذه الأكباد الإحيائية الصناعية يمكن أن تساعد مرضى فشل الكبد الحادّ على الحياة بصورة طبيعية.

بنكرياس صناعي

لكن ماذا عن مئات وآلاف المرضى ذوي الأعضاء المعطوبة الأخرى؟ الإجابة تأتي سريعًا من المهندسة "تيجال دزي" التي تعمل في مجال الطب الحيوي بجامعة بوسطن الأمريكية والتي تقوم حاليًا بتصميم كبسولات بمسامات دقيقة تستطيع حماية الخلايا الحية المزروعة داخل الجسم من أصغر الأجسام المضادة في الجهاز المناعي.

وقامت "دزي" بتطوير بنكرياس إحيائي صناعي جديد يمكن أن يطيل حياة المصابين بالسكري ويحرّرهم من وخز حقن الأنسولين. وبدأت "دزي" بالسليكون، وتقوم بإحداث ثقوب دقيقة للغاية، ثم يشكّل السيليكون المثقّب على هيئة كبسولة تملأ بخلايا البنكرياس البشرية.

زرعت كبسولات السليكون جراحيًّا في مجموعة من الفئران التي تم تدمير غدة البنكرياس بها، فمدت هذه الخلايا المزروعة الفئران بالأنسولين، وأبقت مستويات سكر الدم طبيعية خلال فترة اختبار استمرت لمدة أسبوعين، وبعد أن انتزعت هذه الكبسولات لم يوجد أي أثر للتخثّر، بينما ماتت الفئران منزوعة البنكرياس التي لم يتم تزويدها بكبسولات السيلكون في ظرف أيام قليلة. وأظهرت التجارب على الكلى الاصطناعية الحيوية نجاحًا ملحوظًا في البشر بعد عقود من الإحباط الشديد الذي شهده العاملون في مجال الأعضاء الصناعية.

النانوتكنولوجي يجدد الأمل

يأمل الأطباء في أن تستخدم هذه الأعضاء الإحيائية الصناعية يومًا ما كبديل مؤقت للمصابين بعجز الكبد أو الفشل الكلوي ريثما تعيد أجسامهم بناء خلاياها الطبيعية. كما يمكن لهذه الأعضاء أن تحل محل حقن الأنسولين اليومية التي يعتمد عليها مرضى السكري. لكن الثورة الحقيقية ستأتي بعد تطوير الأعضاء الإحيائية الحيوية الصناعية الدائمة القابلة للزرع داخل الجسم، ولكن ذلك سيتطلّب مواد جديدة تسمح للخلايا بتسلم الغذاء من الجسم وحماية الخلايا من هجمات نظام المناعة البشري الشرس.

وبالرغم من أن التجارب في هذا الحقل العلمي الهام بدأت في أوائل السبعينيات من القرن المنصرم؛ فإنه ما زالت هناك العديد من التحديات التقنية التي تواجه المصممين والمطورين للأعضاء الإحيائية الصناعية؛ فعلى سبيل المثال فإن الأعضاء الجديدة تستخدم من خارج الجسم والخلايا المزروعة داخلها تبقى صالحة للاستخدام لبضعة أسابيع فقط، ولكن مثل هذا الدعم المؤقت يمكن أن يكون هدية قيمة للطب وللعلاج في العالم أجمع؛ فقد أظهرت التجارب أن بعض المرضى يمكنهم استعادة وظيفة أعضائهم بعد فترة من العلاج أو أن تبقيهم هذه الأعضاء الاصطناعية على قيد الحياة إلى أن يوجد متبرع وتصبح أعضاء الزرع متوفرة.

والمشكلة الأساسية في هذا المضمار تتركز في زرع مثل هذه الآلات داخل الجسم، ولكن التقدم الهائل في مجال بحوث النانوتكنولوجى أحيا هذه البحوث من جديد، واستطاع المطورون إنتاج مواد نانوية جديدة قادرة على معالجة المهام المتناقضة مثل عزل الخلايا الحية عن نظام المناعة، بينما تسمح لها في الوقت نفسه بالمشاركة بشكل نشيط في وظائف الجسم.

هذه الآفاق لم تَعُد مجرد خيال، وستنقل إلى البشر في المستقبل القريب لتفتح صفحة جديدة في هذا الميدان، وتوقف الجدل الدائر حول مدى شرعية زراعة الأعضاء، والخوف من تحويلها إلى تجارة سوداء يدفع ثمنها الفقراء. وتنعش هذه البحوث والتجارب الجديدة الأمل في إنقاذ حياة ملايين البشر.