شجرة وتفاحة وحشرة.. آخر عنقود هندسة الجينات

 

في تسارع غير مسبوق، وفي خلال أقل من 48 ساعة أعلن علماء من عدة دول عن نجاحهم في تحوير ثلاثة كائنات حية عن طريق استخدام تقنيات التحوير الوراثي، واشتملت القائمة الجديدة التي تعتبر آخر مستحدثات الهندسة الوراثية، على شجرة مطاط محورة وراثيًّا؛ لتنتج بروتينات بشرية، وتفاح "بناتي" عديم البذور، وحشرة "العث" التي تقضي بيولوجيًّا على الآفات التي تصيب نبات القطن.
شجرة الحياة
أعلن يوم الجمعة 9/2/2001 في مؤتمر "بيوفيجن" للتّكنولوجيا الحيويّة في ليون، بفرنسا عن إنتاج أول شجرة مطاط مهندسة وراثيًّا تنتج بروتينات بشريّة لأغراض علاجيّة. ومن المتوقع أن تعمل شجرة المطاط كمفاعل حيوي (BIOREACTOR) رخيص الثمن، ومتجدد ينتج الدواء، والكيماويات الصناعية بكميات كبيرة.                      
وحقّق هذا الإنجاز العلمي عالِم البيولوجيا الجزيئية "هونج - ييت يانج" من معهد بحوث المطّاط في ماليزيا، عن طريق تحوير أشجار المطاط وراثيًّا لتفرز بروتينًا بشريًّا (زلال المصل البشريّ) الذي يستخدم كعلاج مغذٍّ يُعطى للمرضى في غرف العناية المركزة، بالإضافة إلى إنتاج الأجسام المضادّة للبكتيريا داخل العصارة اللبنية المستخرجة من الشجرة. وأجرى "يانج" تعديلات جينية تسمح بإفراز هذه المواد داخل العصارة فقط؛ ولا يتم تكوينها في أنسجة الشجرة الأخرى، وما زال لديه العديد من الخطط المعدة مسبقًا لتعديل أشجار المطاط؛ كي تنتج بروتينات صناعية وعقاقير غالية الثمن، ومواد كيماوية تستخدم في صناعة الشّامبو ومعجون الأسنان والمنظّفات.
وقال "يانج": تنتج كل شجرة ما بين 100 و300 مليلتر من عصارة المطاط اللبنية (اللاتكس)، ويمكن أن تُجمع العصارة إما يومًا بعد يوم، أو كل يوم، وإذا كان الهكتار الواحد من الأرض يحتوي على حوالي 400 شجرة؛ فسوف تكون الغلة كبيرة؛ وستؤدي في النهاية إلى تخفيض تكلفة المنتجات الدوائية والكيماوية والصناعية؛ لتصبح رخيصة الثمن. وبالرغم من تميز أشجار المطاط برخص الثمن فمثل هذه الأشجار الجديدة المعدلة وراثيًّا لا تقدر بثمن، ويمكن استغلال العصارة اللبنية بطريقة طبيعية لإنتاج المطاط، بعد استخراج البروتينات الهامة منها، كما يمكن إنتاج أشجار جديدة تتميز بإنتاج المطاط بمواصفات صناعية محددة حسب الطلب.
تفاح بناتي!!                 
وفي "نيوزيلندا" أنتج فريق من خبراء الهندسة الوراثية تفاحًا معدلاً وراثيًّا بلا بذور (بناتي). ويتميز هذا النوع الجديد من التفاح بلذة المذاق، وكبر حجمه، وخلوه من البذور. وبذلك ينهى العلماء حقبة التجارب العلمية التي استمرت لفترة طويلة لإنتاج أنواع من التفاح قليل البذر صغير الحجم، الأمر الذي يُعَدّ نصرًا جديدًا في مجال الهندسة الوراثية النباتية. ولعبت الهندسة الوراثية دورًا مهمًّا في إنتاجِ الثّمارِ عديمة البذور، بعد أن أدى النجاح التجاري للثّمارِ عديمة البذور مثل العنب عديم البذور لولع المستهلكين بمثل هذه الثمار سهلة الأكل والتهيئة الصناعية.
ولقد تم الحصول على أصناف قليلة من الثمار عديمة البذور في الوقت الحالي، وعندما تتوفر مثل هذه الأصناف النباتية؛ يُحتملُ أَنْ تَكُون أغلى من مثيلاتها العادية ذات البذور. وتَعْكسُ الكلفةُ العاليةُ صعوبات إنتاج ثمار بدون بذور؛ حيث تَتطلّب في معظم الأحوال وجود طفرة، وهجن عقيمة، أو تتطلب عمالة كثيرة ومعالجة مكثفة للزهور باستخدام الهرمونات النباتية، وتحتاج الأسواق العالمية - على سبيل المثال - الكثير من الهجن ثلاثية المجموعة الصبغية من نبات البطيخ، التي تنتج بطيخًا بدون بذور (بطيخ بناتي)؛ لتلبي الاحتياج المتزايد لمثل هذه الثمار سهلة الأكل، وسهلة التهيئة في أغراض الصناعة والتعليب.
 أول حشرة معدلة وراثيًّا
وفي الولايات المتحدة تمكن العلماء من إنتاج أول حشرة معدلة بالهندسة الوراثية، والحشرة المعدلة من نوع العث moth، وتم تعديلها وراثيا عن طريق نقل جين التوهج الفلورسينتي الأخضر المأخوذ من قنديل البحر، والذي ينتج بروتينًا يتوهج في الظلام كخطوة أولى لتعديلها كي تستهدف نوعًا خطيرًا من الحشرات الأخرى التي تصيب نبات القطن، وتسمى الدودة الوردية التي تسبب خسائر فادحة وأحيانًا إلى تدمير المحصول وإلى إفلاس المزارعين.
وقريبًا ستجري تجربة بغرض مكافحة الآفات التي تصيب القطن، وسيتم فيها إطلاق ثلاثة آلاف وستمائة من هذه الحشرات داخل حقل القطن على شكل قفص طوله سبعة أمتار في ولاية "أريزونا" الأمريكية؛ ويؤكد الباحثون على أنهم سيتخذون إجراءات احترازية وطرقًا مؤمّنة وقائية عند إجراء هذه التجربة لمنع تسرب الحشرات خارج القفص، بالإضافة لإضعاف قدرة الحشرات على التكاثر، وتعقيمها بالتحكم في جيناتها الوراثية.
هل هدأت العاصفة؟!
وكان العلماء قد تمكنوا من تحوير العديد من الكائنات التي اشتملت على فيروسات وبكتيريا وفطريات وحشرات ونباتات وحيوانات عديدة؛ لتنتج بروتينات غريبة عنها منقولة من كائنات أخرى، ولقد استغل العلماء الجين المأخوذ من قنديل البحر - على سبيل المثال - في إنتاج نباتات وفئران، وأرانب وقردة محورة وراثيًّا لتظهر البروتين الفلورسينتي الأخضر (GFP) في خلاياها؛ لتأكيد النجاح في نقل الصفات الوراثية، ويعتقد أن هناك بعض الأسماك المعدلة وراثيًّا قيد التداول تجاريًّا في الصين وكوبا، إضافة إلى تداول أنواع عديدة من نباتات المحاصيل المعدلة وراثيًّا في مناطق كثيرة من العالم، وأنتجت الهندسة الوراثية العديد من الأصناف الغذائية ذات صفات محسنة ومرغوبة وتدخلت في تعديل نمو وأحجام وألوان الكثير من النباتات والحيوانات، ومما لا شك فيه أن التحوير الوراثي للكائنات له أهمية قصوى في مجال توفير الغذاء والكساء والدواء للبشر، ووصل الإنتاج العالمي من المواد المعتمدة على التحوير الوراثي للكائنات إلى حوالي عشرة بلايين دولار في عام 2000، ويمثل حوالي 70% منها مواد ناتجة من الزراعة والباقي تمثله منتجات طبية ومواد أخرى.
والجدير بالذكر أن الأغذية والكائنات المعدلة وراثيًّا GMOs قد واجهت عاصفة من الاحتجاجات والشجب والرفض من منظمات دولية وبعض الحكومات والهيئات الدينية، وقامت العديد من المظاهرات في مناطق متفرقة من العالم لمنع التلاعب بالجينات، ويبدو أن الصورة القاتمة التي تحيط بهذه المنتجات في طريقها للتغيير، فقد أعربت الوكالة الأمريكية لحماية البيئة مؤخرًا عن تأييدها لتكنولوجيا التعديل الوراثي للمنتجات الزراعية، وأكدت أن العديد من المحاصيل الزراعية المعدلة وراثيًّا تقدم مزايا كبيرة، ولا تنطوي إلا على مخاطر محدودة.
كما أكدت التجارب الحقلية أن خطر المنتجات المعدلة وراثيًّا على الحياة البرية محدود، إضافة إلى صلاحيتها للاستهلاك البشري، ووافقت منظمة السلام الأخضر الدولية Greenpeace يوم الجمعة 9/2/2001، في مؤتمر "بيوفيجن" للتّكنولوجيا الحيويّة في ليون، بفرنسا على عدم التعرض للتجارب الحقلية المزمعة لاختبار "الأرز الذهبي" وهو نوع من الأرز المهندس وراثيًّا عن طريق نقل الجين المنتج لمادة "بيتا كاروتين"، التي تعتبر مصدرًا لفيتامين (أ) في أجسادنا. ويعتقد الباحثون أن من شأن هذا الاكتشاف أن يؤدي لعلاج مشكلة سوء التغذية في أنحاء كثيرة من العالم، حيث يمثل "الأرز" الغذاء الرئيسي لحوالي نصف سكان الكرة الأرضية. ويشكل هذا التغيير في سياسات منظمة السلام الأخضر الدولية تفهمًا كبيرًا لدور الهندسة الوراثية في توفير الغذاء لملايين البشر، واعترافًا منها بهذا الدور الجديد.
وما زال في جعبة الهندسة الوراثية الكثير، وهناك العديد من الكائنات المعدلة وراثيًّا الأخرى في طريقها للظهور، وتنظر إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية US Food and Drug Administration (FDA) في اتخاذ قرار بصدد الموافقة على طرح منتجات غذائية وكائنات معدلة وراثيًّا للاستهلاك الآدمي كسمك السالمون المعدل وراثيًّا الذي أصبح سريع النمو بحيث ينمو بمعدل يبلغ عشرة أضعاف النمو الطبيعي، ويصل إلى أحجام كبيرة في أقصر فترة ممكنة. ولقد أوشَكت أنواع أخرى على التواجد بالأسواق وتَتضمّنُ الطماطم، والقرع، والخميرة، والذرة، والبطاطا، وفول الصويا الذي يُستعمل تقريبًا في حوالي 60% من الأطعمةِ المصنّعةِ، مثل الزبد النباتي، والبوظة، والمعجنات، والفطائر، وصلصة فول الصويا، ومنتجات اللحم، وكبديل للّحوم للنباتيين. ونبات الشلجم (الكانولا) الذي يستعمل في تصنيع مجموعة كبيرة من المنتجات الغذائية والاصطناعيةِ مثل صناعة الزيوت، وفي غضون بضعة سَنَوات يُحتملُ أَنْ يَكُونَ في حكم المستحيل أَنْ تَجدَ طعامًا طبيعيًّا لم تدركه بعض آثار تقنيات الهندسة الوراثية.
وقد تنطوي هذه التقنيات على منافع عديدة، وقد تضمر في ثناياها أخطارًا جسيمة ومضارًّا خفية قد لا تظهر إلا بعد مرور العديد من السنوات، ولقد أثارت هذه العلوم الحديثة الكثير من المخاوف لما لها من تطبيقات خطيرة، ولما دأب عليه الإنسان من تسخير للظواهر الكونية للشر، وضعف بصيرته واستعجاله للنتائج وعدم تقديره الكافي للضرر الكامن في مثل هذه التقنيات، وتقدير كل من المنافع والمضار قد يحتاج لفترة طويلة نسبيًّا لإجراء الدراسات الكافية، والمرور بفترة اختبار أسوة بالإجراءات اللازمة لطرح أي مستحضر طبي بالأسواق.
وبالرغم من أن الزراعة المرتكزة على تقنيات التوليف الجيني والتي تسمى الآن "الزراعة الجينية" ما زالت في بدايتها على المستوى التطبيقي، فإنها أثارت وما زالت تثير جدلاً واسعًا غير مسبوق بين الأوساط العلمية والمجتمعية في شتى أصقاع العالم، ولا سيما الدول التي أنتجت مثل هذه التقنيات، وما زالت وجهات النظر في صلاحية الأغذية المحورة وراثيًّا للتداول تثير الشكوك؛ لتعارضها ولعدم حسم الموقف نهائيًّا، وليس هناك مجال معاصر مثالي يمكن اتخاذه لدراسة البُعْد الأخلاقي لمنجزات التقدم العلمي، والوعي المجتمعي المطلوب للتوصل إلى قرارات عقلانية، تعظم الفائدة المرجوة، وتقلل الأخطار المحتملة، مثل مجال الأمان الحيوي لمنتجات الهندسة الوراثية
.