الحرب البيولوجية قنبلة الفقراء الذرية

في الجو العاصف الذي ينتشر فوق العالم الآن تخرج تلميحات إلي احتمالات استخدام الحرب البيولوجية ضد الارهاب أو كرد فعل إنتقامي من الارهاب ضد الدول المتحالفة‏..‏ والسؤال الآن إلي أي مدي يمكن أن تؤثر الحرب البيولوجية في بلادنا‏..‏ وكيف السبيل إلي تفادي أخطارها المدمرة؟
هل يستخدم الإرهابيون قنبلة الفقراء الذرية ضد أمريكا؟

الأسلحة البيولوجية تعد أقوي أسلحة الدمار الشامل فتكا وتدميرا‏,‏ والتي تشمل الأسلحة النووية والذرية‏,‏ والأسلحة الكيماوية‏,‏ والأسلحة البيولوجية‏,‏ وذلك لأسباب كثيرة من ضمنها سهولة تصنيعها خلال وقت قصير‏,‏ وبإمكانيات مادية وتكنولوجية بسيطة‏,‏ كما شرح د‏.‏ عبدالهادي مصباح أستاذ المناعة والتحاليل وأنها يمكن استخدامها دون الوصول إلي الفاعل سواء بواسطة مخابرات الدول أو بواسطة الجماعات الإرهابية‏,‏ لأن تأثيرها لايظهر إلا بعد فترة حضانة معينة‏,‏ يكون الفاعل الحقيقي قد اختفي تماما أثناءها قبل أن يتم اكتشاف أمره‏.‏
وقد ذكر كتاب منظمة معاهدة شمال الأطلنطي أن هناك‏39‏ نوعا يمكن استخدامه كسلاح بيولوجي وتشمل البكتيريا الفيروسات الريكتسيا السموم‏,‏ وبعض هذه الأسلحة مثل بكتريا الأنثراكس العضوية التي تسبب مرض الجمرة الخبيثة يكفي استنشاق واحد علي مليون من الجرام منه لقتل انسان ضخم الجثة‏,‏ كما تدخل علم الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية والمناعة في هندسة بعض الكائنات وراثيا بحيث لا يؤثر فيها التطعيم التي تم تحضيره بناء علي التركيب الجيني للكائنات العادية‏,‏ وليست المهندسة وراثيا‏,‏ وكذلك الحال بالنسبة للمضادات الحيوية بحيث لاتؤثر في هذا الميكروب الجديد‏.‏ ولعل ظهور أكثر من خمسة عشر فيروسا جديدا في خلال الخمس وعشرين عاما الأخيرة‏,‏ بعضها عاد للظهور بعد اختفائه‏,‏ وبعضها جديد تماما‏,‏ يعطي الفرصة لاستخدام مثل هذه الفيروسات الجديدة كأسلحة في مجال الحرب البيولوحية مثل فيروسات الإيبولا‏,‏ هانتا‏,‏ حمي اللاسا‏,‏ ماربورج‏,‏ وغيرها‏.‏ ولعل الأعباء الاقتصادية الضخمة‏,‏ بجانب الخسائر في الأرواح‏,‏ التي تنتج من استخدام الأسلحة البيولوجية‏,‏ تجعل الولايات المتحدة وغيرها من الدول تعيد حساباتها لمواجهة مثل هذا النوع من الأسلحة والاستعداد لمواجهته بأقل الخسائر الممكنة‏.‏ وهناك العديد من الحوادث الإرهابية المختلفة التي استخدمت فيها كل من الأسلحة البيولوجية والكيميائية‏,‏ مثل حادث نشر بكتريا السالمونيلا بواسطة جماعة متطرفة في ولاية أوريحون بالولايات المتحدة‏,‏ حين كان بعض أفراد من هذه الجماعة يدخلون إلي المطاعم‏,‏ وينشرون الميكروب علي بوفيه السلاطات المفتوح‏,‏ ويدعون أنهم انتهوا من الأكل‏,‏ ويدفعون الحساب ويخرجون‏,‏ ولم يتم اكتشاف أمرهم إلا بالصدفة بعد سنة من حدوث هذه الواقعة‏.‏ وهناك حادثة أخري لإخصائي في الميكروبيولوجي يدعي لاري هاريس الذي طلب‏3‏ زجاجات من بكتريا الطاعون من مركز تجميع العينات‏ATCC‏ بميرلاند‏,‏ في‏5‏ مايو عام‏1995‏ ووافقوا بالفعل علي إرسال الطلب له‏,‏ إلا أن إلحاحه ومكالماته اليومية لاستعجال الطلب جعلهم يشكون في تصرفاته‏,‏ وتم الإبلاغ عنه‏,‏ وأثناء التحقيق معه تبين أنه عضو في منظمة إرهابية عنصرية وأنه كان سوف يستخدم هذه البكتريا في عملية إرهابية‏,‏ حيث كان ينوي وضع هذه البكتريا في كرة زجاجية توضع تحت عجلات القطار في مترو أنفاق نيويورك‏,‏ وعندما يأتي القطار سوف تتكسر وينطلق الميكروب الذي سوف يقضي علي مئات الآلاف‏,‏ ويسبب موتهم‏,‏ وسوف تشير أصابع الاتهام آنذاك إلي العراق‏.‏

غاز السارين في مترو طوكيو
وقبل هذه الحادثة بستة أسابيع فقط كان هناك حادث إطلاق غاز السارين في مترو أنفاق طوكيو بواسطة إحدي الجماعات الإرهابية المتطرفة‏,‏ والذي تسبب في وفاة‏12‏ وإصابة‏5500‏ شخص بإصابات مختلفة‏,‏ وكان يمكن أن يحدث أكبر نسبة من الوفيات والإصابات‏,‏ لولا أن حدث خطأ في تحضير الغاز‏,‏ مما قلل من عدد الوفيات والإصابات‏.‏ وبعد حادث إطلاق غاز السارين في مترو الأنفاق في طوكيو‏,‏ أعلن مدير خدمات الطوارئ في مدينة نيويورك تعليقا علي الحادث‏:‏ إن ذلك يمكن أن يحدث هنا في أمريكا أيضا‏,‏ فما أسهل أن يلقي أحد هؤلاء الإرهابيين بمادة باراثايون السامة في هواء التكييف المركزي أو التدفئة المركزية لأحد الأبنية العملاقة أو ناطحات السحاب حتي تحديث كارثة محققة يذهب ضحيتها المئات وربما الآلاف من الضحايا الذين سوف يستنشقون هواء هذه المكيفات‏.‏
وهناك العديد من السيناريوهات التي نوقشت في مؤتمرات علمية بالولايات المتحدة لإمكانية حدرث حادث إرهابي باستخدام بكتريا الأنثراكس المميتة‏,‏ وغيرها من الأسلحة البيولوجية والكيميائية وهو أسوأ سيناريو لحادث إرهابي‏,‏ ويفوق فيما يمكن أن يحدثه من خسائر تلك التي حدثت في نيويورك وواشنطن في‏11‏ سبتمبر الماضي‏,‏ إلا أنه قابل للحدوث‏.‏

‏*‏ تدخل علم الهندسة الوراثية‏,‏ وكذلك البيولوجيا الجزيئية والمناعة في هندسة بعض الكائنات المستخدمة وراثيا كما يضيف د‏.‏ عبدالهادي مصباح بحيث لا يؤثر فيها التطعيم الذي تم صنعه بناءا علي التركيب الجيني للكائنات العادية وليست المهندسة وراثيا‏,‏ وكذلك الحال بالنسبة للمضادات الحيوية بحيث لاتؤثر في هذا الميكروب الجديد‏,‏ ولعل أقرب مثال لذلك هو الطاعون السوبر الذي تم تصنيعه بواسطة الاتحاد السوفيتي قبل تفككه‏,‏ بحيث لا يؤثر فيه التطعيم المتاح ضد الطاعون‏,‏ وكذلك‏27‏ نوعا من المضادات الحيوية التي كان من المعروف أن لها تأثير علي هذا النوع من البكتيريا‏,‏ وكذلك فيروس حمي الدنج‏,‏ والأنثراكس والتيفوس‏,‏ كما تمكن بعض العلماء من وضع جينات بعض الفيروسات أو البكتيريا القاتلة مثل الجدري أو الكوليرا داخل التركيب الجيني لبعض أنواع البكتيريا غير الضارة‏,‏ والموجودة بشكل متكافل في الأمعاء مثلا‏,‏ وبذلك يصعب اكتشاف الميكروب المسبب للمرض بالطرق العادية‏,‏ ولايمكن هذا إلا من خلال فحص الميكروب جينيا بوسائل الفحص الحديثة للوصول إلي البصمة الجينية للميكروب‏.‏ ومعظم هذه الفيروسات لايوجد لها علاج أو تطعيم حتي الآن مثل الإيبولا‏,‏ وحمي اللاسا‏,‏ وماربورج‏,‏ وهانتا وغيرها‏,‏ وحتي طرق العدوي لبعضها غير مؤكدة حتي الآن‏,‏ ولعل ذلك كا أغري جماعة أوم شيزيكيو المتطرفة اليابانية بالذهاب إلي زائير عام‏1992‏ عندما انتشر وباء الإيبولا بحجة المساعدة‏,‏ ثم تبين أنهم ذهبوا من أجل أخذ عينات من فيروس الإيبولا لتصنيعه كسلاح بيولوجي يستخدم في أغراض إرهابية‏.‏
‏*‏ هناك بعض الفيروسات التي اختفت من العالم الآن مثل فيروس الجدري والذي توقف تطعيم الأطفال للوقاية منه منذ عام‏1980‏ حيث كانت في افريقيا آخر حالة عدوي بالجدري في عام‏1977,‏ إلا أنه تبين أن بعض الدول تحتفظ بسلالات من فيروس الجدري لاستخدامه في أغراض الحرب البيولوجية‏,‏ فالسلاح أو الميكروب المستخدم‏,‏ وفي كثير من الحالات لا يحدث ذلك إلا في وقت متأخر وبعد فوات الأوان‏.‏

‏[‏الجمرة القاتلة‏]‏
‏*‏ هناك خصائص تحدد أي من الأنواع المختلفة من الكائنات الدقيقة هو الامثل لاستخدامه كسلاح بيولوجي‏,‏ ومن أهم هذه الخصائص هي‏:‏ سرعة انتشار وإحداث العدوي‏,‏ ومدي السمية التي تحدثها‏,‏ والثبات في حالات الجو المتقلبة‏,‏ وسهولة تصنيع وتخزين كميات كبيرة منه في حالة نشطة‏,‏ والقدرة علي إحداث المرض بشكل حاد ومؤثر ومميت‏.‏
‏*‏ وبناء علي الصفات السابقة فإن يكتريا الانثراكس العضوية التي تسبب مرض الجمرك القاتل وكذلك الفيروس المسبب لمرض الجدري‏,‏ يعتبران النموذج الامثل لهذه الصفات‏,‏ وهناك أيضا بعض الكائنات الأخري التي لها نفس الخطورة والانتشار مثل سم البوتيوليزم‏,‏ وبكتريا الطاعون‏,‏ وفيروس الايبولا‏,‏ والفيروس المسبب لالتهاب المخ‏
VEE,‏
وحمي الوادي المتصدع‏,‏ والبروسيللا أو الحمي القلاعية وغيرها‏.‏

في عام‏1989‏ اعلن السناتور الأمريكي جون جلين أن الإرهابيين يمكنهم صنع كميات كبيرة وضخمة يمكن أن تصل إلي أطنان من الأسلحة الكيميائية‏,‏ خاصة غاز الأعصاب أو من الاسلحة البيولوجية الأخري في غرفة كبيرة أو في مطبخ هذه الشقة‏,‏ وذلك علي الرغم من أن تخزين مثل هذه الأسلحة يحتاج إلي أماكن أوسع من أجل الاحتفاظ بها في حالة نشطة لكي تحدث ما يجب أن تحدثه من التأثير الفعال‏,‏ وقد يصبح الأمر أكثر تعقيدا بالنسبة لأجهزة الإطلاق التي يمكن نشر هذه الاسلحة من خلالها‏,‏ سواء عن طريق القنابل‏,‏ أو الرش من خلال اجهزة رش الإسبراي التي تستخدم لرش المبيدات الحشرية وغيرها‏.‏
وأضاف السناتور جلين‏:‏ إن إضافية أوقية واحدة من الميكروب المعدي المسبب للمرض إلي جالون من السائل الذي ينمو عليه هذا الميكروب‏,‏ وتركه لينمو عدة أيام‏,‏ يمكن أن ينتج سلاحا بيولوجيا يقضي علي‏95%‏ من سكان العاصمة واشنطن دي سي‏.‏

والأسلحة الكيميائية أيضا كما يشير السناتور جلين في جلسة استماع خاصة عن هذا الموضوع سهلة الصنع‏,‏ فغاز الخردل‏
MustardGas‏
الحارق الذي يرجع تاريخ استخدامه الي منتصف القرن التاسع عشر‏,‏ والذي يسبب حرق الجلد وحدوث فقاقيع عليه تشوه الجلد وتحرقه‏,‏ ويحدث آثار مميتة علي الجهاز التنفسي‏,‏ هذا الغاز يمكن صنعه باتحاد مادتي حمض الهيدروكلوريك‏
HCI,‏
ومادة ثايوداي جليكول‏
Thiodiglycol‏
التي تستخدم في تصنيع الاحبار ومواد الصباغة‏,‏ والتي تتكون في الأساس من مادتين يمكن وجودهما في أي معمل للأبحاث الطبية والعلمية‏,‏ وهما‏:‏ إيثيلين أوكسيد
‏EthyleneOxide‏
وكذلك كبرتيد الهيدروجين
‏HydrogenSulphide.‏
اما غاز الاعصاب فعلي الرغم من أنه أكثر تعقيدا قليلا‏,‏ إلا أن طالب في كلية العلوم قسم كيمياء يمكنه أن يحصل علي مكوناته بسهولة من أجل تصنيعها في هذا الغرض‏,‏ وهذه الغازات من أمثال السارين‏,‏ والخردل‏,‏ وباقي الغازات الكيميائية السامة‏,‏ يمكن تصنيعها بطرق مختلفة كثيرة‏,‏ والأواني التي ينبغي أن تخلط فيها هذه الكيمياويات يجب أن تكون مقاومة للتآكل‏
CorrosiveResistant,‏
وزجاج البايريكس يمكنه أن يؤدي هذه المهمة‏,‏ كما أن المعلومات الخاصة بتوقيت إضافة كل مادة للأخري موجودة في الكثير من الأبحاث والدورات المنشورة في كتب منذ أكثر من‏50‏ عاما‏,‏ وعلي شبكة الانترنت بالتفاصيل الدقيقة‏.‏

تلويث الهواء ومصادر المياه والطعام
في عام‏1985‏ اكتشف رجال المباحث الفيدرالية
‏FBI‏
في الولايات المتحدة أكبر محاولة إرهابية لاستخدام السلاح الكيميائي حتي اليوم‏,‏ حيث كانت هذه القوات تفتش منازل مجموعة من الجماعات المتطرفة المتهم اعضاؤها بمعاداة السامية في شمال ولاية اركانسو‏,‏ وكانت المفاجأة التي أذهلت الجميع حين وجد رجال المباحث الفيرالية عددا من البراميل‏,‏ تحتوي بداخلها علي‏35‏ جالونا من سم السيانيد المعروف بام الزرنيخ‏,‏ كانت هذه الجماعة تنوي تفريغ هذا السم القاتل السيانيد في مصدر من مصادر المياه في واحدة من مدينتين إما العاصمة واشنطن دي سي‏,‏ أو مدينة نيويورك‏.‏
والحقيقة أن الدراسات التي أجريت بعد اكتشاف هذا الحادث أثبتت أن عامل تخفيف هذه الكمية من السم التي كانوا ينوون وضعها في هذا الكم الكبير من الماء يكون كبيرا جدا لدرجة يتلاشي معها الاثر القاتل لمثل هذا النوع من السموم‏.‏ وعلي الرغم من تخفيف اثر السم نتيجة وضعه في هذه الكمية الكبيرة من المياه‏,‏ فإن الانابيب التي تنقل هذه المياه يمكن أن تتأثر بسم السيانيد خاصة في الأماكن الأولي التي تنطلق اليها المياه‏,‏ مما يمكن أن تحدث معه اثار سلبية وخطيرة يمكن أن تؤدي إلي كوارث في مثل هذه المناطق‏.‏ والكارثة الكبري التي يمكن أن تحدث لو تم وضع هذه الكمية من السم في مصدر محدود من المياه مثل مخازن المياه التي يمكن أن تمد مجمع سكني مثلا‏,‏ أو مدينة جامعية‏,‏ أو غيرها من الأماكن التي يمكن أن يصبح تركيز السم فيها عاليا وفعالا ومميتا‏,‏ لذا يجب التأكد من غلق مثل هذه الاماكن جيدا‏,‏ ووضع مفتاحها مع مصدر أمني مسئول عن هذا المكان‏,‏ وأن تنظف بصفة دورية ومستمرة من قبل أشخاص مأمونين‏.‏

‏*‏ ويبقي التساؤل‏:‏ كيف يمكن أن نستعد لمواجهة اخطار الحرب البيولوجية والكيمياوية؟