البحث العلمي موظف حكومي !

 

يعاني البحث العلمي في العالم العربي من واقع سيِّئ، بل غاية في السوء،يشبه الموظف في دوواوين الحكومة البيروقراطية ، ومما يدل على هذه الحالة السمات العامة للأبحاث المنشورة، وهذه السمات تتلخص فيما يلي:
1- البحث العلمي في عالمنا تقليدي، بمعنى أن الباحث ينظر في الدوريات العلمية ويجد بحثا مناسباً يقلده تقليداً تامًّا في كل خصوصياته، مما يسهل عليه الدراسة العملية والاستنباطات وشرحها.
2- تكراري بمعنى أنه إذا كان لديَّ بحث ناجح نوعاً ما، فإني أكرره مرة تلو الأخرى على نظم غاية في التشابه والصفات، مما يؤدي إلى قلة قيمة النتائج الحاصل عليها، حيث إنها في حقيقة الأمر لا تضيف جديداً أو ترفع مستوى التقنية العلمية.
3- يتبع نظام (شيلني وأشيلك) بمعنى أضع اسمك على بحث عندي مقابل وضع اسمي على بحث عندك فيكون لِكُلٍّ منا بحثان، وقد يدخل في هذه الجمعية العلمية العديد من الأفراد تتكرر أسماؤهم بترتيبات مختلفة على أبحاث عامة لا تتصف بالترابط أو الهدف الواحد، وقد تكون في أغلب الأحوال في مجالات مختلفة لا يمكن للشخص الواحد أن يساهم فيها، ولقد كان لي سوء الحظ في تقييم بعض هذه الحالات للترقية العلمية، وأتذكر حالة تقدم فيها المترقي بأحد عشر بحثاً كلها في مجالات مختلفة مع أناس مختلفة.
4- متنقل بمعنى أنه عديم الهدف والموضوعية، وينتقل من موضوع إلى آخر ومن فرع من فروع المعرفة إلى آخر بدون إيجاد الصلة بينها.
5- يهدف إلى إعطاء الدرجات العلمية مثل الماجستير والدكتوراة، وفي هذه الحالة تتسم البحوث بأنها أشبه إلى التمارين البحثية منها إلى البحوث العلمية الجادة، ولقد أدى ذلك إلى أن الجامعات في العديد من الدول تتبع نظم التقييم الداخلي، وحتى تلك التي تتبع نظم التقييم الخارجي بدأت الأقسام المختلفة فيها بالسعي إلى التعاقد مع أعضاء هيئة تدريس اتسموا بالتساهل والتهاون في فحص الرسائل العلمية. بالإضافة إلى أن من أهدافها كذلك سرعة الحصول على الدرجات العلمية مثل الأستاذ المساعد والمشارك والأستاذ، ولقد أدى هذا الهدف في معظم الجامعات العربية إلى استحداث مجلات ودوريات علمية داخلية لا ترقى إلى المستويات العالمية يكون التحكيم فيها شبه منعدم أو داخليًّا كلية، وتدخل فيه المحسوبيات والتساهل الشديد في اتباع النظم العلمية الدقيقة في التحكيم البحثي. وللأسف الشديد فإنه قد تَمَّ إنشاء العديد من أمثال هذه المجلات العلمية في دول العالم الثالث ومجموعة الدول المنبثقة من الاتحاد السوفيتي السابق تتسم بنفس الصفات السابقة، إلا أنها تضفي الصفة العالمية المزيفة لقبول أبحاث المترقي. وبالإضافة فلقد ظهرت بعض المجلات العلمية التي تعرض صفحاتها لنشر البحوث مقابل ثمن محدد للصفحة.
6- أكاديمية في طابعها بمعنى أنها تجري بدون النظر إلى سبل استفادة المجتمع منها بشكل مباشر أو غير مباشر، وفي غالب الأحوال لا تؤدي إلى اكتشاف حقول علمية جديدة، بل تخدم في اتساع المعرفة في حقول علمية أكاديمية تم اكتشافها مسبقًا.
7- يوجد بعض البحوث التطبيقية في بعض الجامعات والمؤسسات العلمية مثل المركز القومي للبحوث في مصر، ولكنها بدأت تأخذ الصور التقليدية القديمة دون استخدام أو استحداث وسائل تقنية جديدة، كما أنها تفتقر إلى عدم تأديتها إلى إنتاج مواد جديدة أو منتجات متطورة أو إدخال عمليات جديدة أو تحسينات على الآليات والأنظمة المستعملة والاعتماد بشكل واسع على الخبرات الأجنبية في إدخال هذه التطورات في المصانع أو إنشاء خطوط إنتاج لشركات عالمية تهدف إلى استخدام اليد العاملة الرخيصة وليس لنقل التكنولوجيا الحديثة.
8- بحوث التطوير واستخدام التقنية الجديدة تكاد تكون منعدمة؛ وذلك لدخولها تحت أسباب سياسية واقتصادية يفرضها الواقع العالمي الحديث.
9- المشاريع العلمية المقدمة من قبل الباحثين للهيئات والمؤسسات الداخلية - وذلك لتدعيمها - تتسم بأنها غير مدروسة دراسة وافية - ارتجالية - وغير مترابطة، ويشترك فيها فريق بحث، أفراده غير متجانسين علميًّا، أو تمثل كفاءات شديدة التشابه مع إضافة استشاريين علميين لهم نفس كفاءة فريق البحث، وفي أغلب الوقت توضع في ذيل البحث قائمة مراجع كبيرة لا علاقة لأغلبها بالبحث المنشود بهدف ملء فراغ وإيهام المحكم بالجدية في بناء المشروع، ولقد كان من سوء حظي - منذ فترة ليست ببعيدة- تحكيم مشروعين: أحدهما احتوى على خمس صفحات تمثل المشروع بأكمله وأرفق به قائمة مراجع تحتوي على قرابة المائة والخمسين مرجعًا أُخِذَت برمتها من رسالة ماجستير دون مراجعة ولا علاقة لقرابة ثلثيها بالبحث من قريب أو بعيد، وفي البحث الثاني فإن عدد أفراد فريق البحث أدى إلى أن المكافآت المطلوبة لهم تفوق مصاريف البحث بثلاثة أضعاف، والقائمة في هذا المجال كبيرة وليس هذا مجال حصرها. وفي المقابل فقد سبق لي من حوالي 12 سنة تقديم مشروع إلى إحدى الهيئات المانحة في الدول العربية، فكان مما قاله أحد المحكمين هو: "هذا البحث يمثل المقدرة العلمية للباحث الرئيسي، ويمثل مجال بحث متطور يفوق المقدرة في البلاد العربية، ومن الأفضل تركه للباحثين في الدول الغربية حيث تتوفر الإمكانات التي لا داعي للحصول عليها في هذه البلاد!!
هذا ولعل أكبر دليل على عدم اهتمامنا بالبحث العلمي وعجزنا عن النهوض به هو انشغال الجامعات العربية والإعلام العربي في أشهر الصيف من كل عام بنتائج الثانوية العامة، ومن قُبِل؟ وبأي نسبة؟ وفي أي كلية؟ وانشغال المجتمع بِرُمَّتِه بهذه الحادثة السنوية كأن الدنيا تقوم وتقع بنتائجه. ولم أجد مثل هذا التأهب أو ما يشابه من قريب أو بعيد لأي مرحلة تعليمية طوال أكثر من 25 سنة قضيتها في البلاد الغربية.
ومن عجب العجاب أن ترى وزير التعليم العالي بمصر وهو يمثل المنطلق العلمي على شاشة التلفاز يتلو النسب المئوية للطلبة المقبولين في مختلف كليات جامعات مصر، وبالأحرى لهذا الحدث أن يُعلَن في مكاتب التنسيق أو كرت القبول الذي يمكن إرساله آليًّا إلى عنوان الطالب وترك الإعلام للانشغال بما هو أهم وأرقى.
وما سبق لا ينفي وجود كفاءات فردية عديدة في مختلف المجالات العلمية في جميع الدول العربية تختلف في عددها وتنوعها بإمكانات وحاضر وماضي كل دولة كما توجد كفاءات مدفونة كبيرة العدد تَتُوق إلى اليوم الذي تجد فيه فرصة الانطلاق والإبداع.